أخر الاخبار

السلطة التقديرية للمشرع الجنائي : حدودها وضوابطها والرقابة عليها

 السلطة التقديرية للمشرع الجنائي:


يتولى المشرع الجنائي - بمقتضى اختصاصه الدستوري - وضع قواعد التجريم والعقاب، حينما تقتضي ذلك الضرورة الاجتماعية، حماية لكافة المصالح الجديرة بالحماية الجنائية، وذلك بمقتضى السلطة التقديرية للمشرع الجنائي.


حدود السلطة التقديرية للمشرع, ضوابط سلطة المشرع التقديرية, الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للمشرع, حدود السلطة التقديرية للمشرع وأسس الرقابة عليها, السلطة التقديرية للمشرع الجنائي, التجريم والعقاب
السلطة التقديرية للمشرع الجنائي : حدودها وضوابطها والرقابة عليها


وإذا كانت صناعة التشريع بشكل عام تحتاج إلى مهارة وكفاءة وخبرة لدى القائمين عليها لكونها صناعة معقَّدة، فإن هذا التعقيد يبلغ ذروته بالنسبة لنصوص التجريم والعقاب.


فالمشرع مطالب في شأن نصوص التجريم والعقاب بأن ينتج قواعد قانونية منطقية، عادلة، واضحة، دقيقة وفعَّالة، ومؤثرة، محققة لأهدافها وقابلة للتطبيق العملي.


حدود السلطة التقديرية للمشرع الجنائي:


إن جوهر السلطة التقديرية للمشرع يتمثل في المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنها أنسبها لمصلحة الجماعة، وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم.


ولذلك؛ فالأصل أن سلطة المشرع الجنائي في انتقاء الأفعال المجرَّمة جنائياً هي سلطة تقديرية، يستقل بها المشرع باعتباره المعبر عن إرادة المجتمع، مقدراً ملائمة إدخال سلوك معين إلى دائرة التجريم أو تركه في فضاء الإباحة.


وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا حين قضت بعدم قبول الطعن على دستورية المواد (297،296) من قانون العقوبات، والتي تعاقب على الشهادة الزور على متهم في جنحة أو مخالفة أو في دعوى مدنية، بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين.


وقد كانت الإحالة من محكمة الموضوع مؤسَّسة على سريان نصوص المواد سالفة الذكر على الشهادة الزور التي يُدلى بها أمام المحاكم فقط، وإغفالها شهادة الزور التي تُثبت في محاضر الشرطة وتحقيقات النيابة ومحاضر التصديقات في الشهر العقاري، ومذكرات الدفاع، والمحاضر الإدارية.


وقدَّرت المحكمة الدستورية العليا أن:

" التجريم ليس عملاً قضائيّاً، وإنما هو عمل تشريعي أصيل يتولاه المشرع طبقـاً لنص المادة (101) من الدستور، فيحدد ملاءمته ونطاقه، ويـبين  - على نحو جلى لا غموض فيه - النموذج القانوني الذي يتلبس الفعل المادي، والركن المعنوي لهذا النموذج، وكافة شرائط هذا النموذج ومتطلباته،

ثم يحدد العقوبة المقررة لذلك النموذج، وذلك كله إعمالاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون "؛

متى كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع قد أحالت النصوص التشريعية التي ارتأت مخالفتها للدستور، بغية أن يمتد العقاب المقرر فيها على شهادة الزور التي يُدلى بها أمام المحاكم، والتي تثبت في محاضرها، ليشمل تلك التي تثبت في غير هذه المحاضر،

مثل محاضر الشرطة ومحاضر التصديقات في الشهر العقاري وغيرها، فإن ذلك لا يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا، ويظل تدخل المشرع لإجراء هذا التعديل حتماً مقضياً، ليعمل سلطته التقديرية في هذا الشأن، بما يملكه من بدائل وملائمات، مما يتعين معه عدم قبول الدعوى ".


هل السلطة التقديرية للمشرع مطلقة؟


السلطة التقديرية للمشرع ليست مطلقة بل لها حدوداً لا تتجاوزها، ومبادئ دستورية تحكمها وتضبط نطاقها، حيث يحكم قانون العقوبات مجموعة من المبادئ الدستورية التي لا يجب أن يخرج عنها التجريم الجنائي.


سواء كانت من قبيل المبادئ العامة التي تسري على كافة التشريعات كمبدأ المساواة وعدم إهدار الأحكام القطعية للشريعة الإسلامية، أو كانت من قبيل المبادئ الدستورية الخاصة بقانون العقوبات كمبدأ الشرعية الجنائية، ومبدأ قضائية العقوبة الجنائية وشخصيتها.


وهذه المبادئ الدستورية بنوعيها لا تحمل للمشرع الجنائي سوى التقييد والإلزام، بحيث تنعدم سلطته التقديرية حيالها، وإلا تعرض ما يصدره من تشريعات جنائية بالمخالفة لتلك المبادئ الدستورية للقضاء بعدم الدستورية، والاستئصال من المنظومة التشريعية الجنائية.


والواقع أن هذه المجموعة من المبادئ الدستورية الحاكمة لقانون العقوبات، هي التي تكفل حداً أدنى من الحماية للحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور، بحيث تمنع المشرع من النزول عن هذا الحد وهو بصدد تنظيم حق من الحقوق وإلا فقد هذا الحق أي قيمة أو مضمون.


وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا حينما أكدت أن:

" المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، وإن كان الأصل فيها هو إطلاقها، إلا أن القيود التي يفرضها الدستور لصون هذه الحقوق من صور العدوان المحتمل عليها، هي التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز أن يتداخل التنظيم التشريعي فيها هادماً للحقوق التي يكفلها الدستور، أو مؤثراً في محتواها بما ينال منها.


ومن ثم، تمثل هذه الدائرة مجالاً حيوياً لا يتنفس الحق إلا من خلالها، ولا يكون تنظيم هذا الحق ممكناً من زاوية دستورية إلا فيما وراء حدودها الخارجية، ليكون اقتحامها مجانباً لتنظيمه، وعدواناً عليه أدخل إلى مصادرته أو تقييده ".


وقد قضت المحكمة الدستورية المجرية بأن: الضرورة نحو جعل السلوك جريمة معاقباً عليها يجب أن تخضع لبحث دقيق ومتعمق، فلا يجوز لقانون العقوبات أن يقيد حقوق الإنسان وحرياته إلا إذا تطلبت ذلك ضرورة مطلقة وبالتناسب مع الجريمة.


وفى بيان حدود السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في مجال التجريم والعقاب، أرست المحكمة الدستورية العليا قاعدتين هامتين في هذا الشأن على النحو التالي:


القاعدة الأولى: عدم دستورية التجريم عن طريق استخدام القرائن القانونية:


أنكرت المحكمة الدستورية العليا على المشرع الجنائي، التجريم باستخدام القرائن القانونية، لإثبات التهم الجنائية في حق الأفراد، مقررة أن:

" القرائن القانونية - حتى ما كان منها قاطعاً - هي التي يقيمها المشرع مقدماً ويعممها بعد أن يصوغها على ضوء ما يكون راجح الوقوع عملاً؛ وكان المشرع بتقريره لها إنما يتوخى إعفاء الخصم من التدليل على واقعة بذاتها بعد أن أحل غيرها محلها، وأقامها بديلاً عنها،

ليتحول الدليل إليها، فإذا أثبتها الخصم، اعتبر ذلك إثباتاً للواقعة الأصلية بحكم القانون فلا تكون القرائن القانونية بذلك إلا إثباتاً غير مباشر ينحصر مجال عملها أصلا في المسائل المدنية، فإن تعدتها إلى غيرها، صار أمر دستوريتها محدداً على ضوء مساسها بالحرية الشخصية، وإخلالها بمقوماتها ".


ثم حظرت المحكمة الدستورية بشكل قاطع استخدام القرائن القانونية في مجال التجريم الجنائي حين قررت أن:

" اختصاص السلطة التشريعية في مجال إنشاء الجرائم وتحديد عقوباتها لا يخولها التدخل في المجال الجنائي لفرض قرائن قانونية تنفصل عن واقعها، ولا تربطها علاقة منطقية بالنتائج التي رتبتها عليها.

إذ لا يعدو ذلك منها أن يكون إحلالاً لإرادتها محل السلطة القضائية، لتنحيها عن وظائفها الأصلية في تحقيق الدعوى الجنائية وتقدير أدلتها في شأن جريمة بذاتها يدعى ارتكابها، ولا يتصور إسنادها لفاعلها إلا بعد توافر ركنيها بالشروط التي تطلبها المشرع فيهما ".


وبناء على ذلك؛ قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة (15) من القانون رقم 68 لسنة 1976 بشأن الرقابة على المعادن الثمينة، والتي كانت تنص على أنه:

" إذا كانت المعادن وغيرها مما هو منصوص عليه في هذا القانون، واردة من الخارج، فلا يجوز سحبها من الجمارك أو البريد إلا إذا كانت مدموغة بدمغة أجنبية معترف بصحتها وفقاً للمادة الثانية من هذا القانون،

فإذا قدمت إلى مصلحة دمغ المصوغات والموازين مباشرة، وجب على مقدم هذه الأصناف إثبات دخولها البلاد بطريقة مشروعة، فإذا لم يتم ذلك وجب على المصلحة قبل قيامها بفحصها وتحديد عيارها ودمغها، إبلاغ الأمر لجهات الاختصاص مع التحفظ على الأصـناف المشار إليها وإثبات شخـصية مقدمها لحـين التـصرف فيها بمعرفة الجهات المذكـورة ".


وقد أسست المحكمة عدم دستورية المادة المذكورة، على إحداثها لقرينة قانونية حاصلها أن عدم إثبات ذي الشأن دخول البضائع إلى البلاد بطريقة مشروعة، يجعل منه مهرباً.


والقرينة التي يتضمنها النص المطعون فيه تتعلق ببضائع أجنبية يجري التعامل فيها بعد خروجها من الدائرة الجمركية التي ترصد في محيطها البضائع الواردة، وتتم إجراءاتها وتقدر ضرائبها، باعتبار أن ذلك هو الأصل فيها، وأن تهريبها لا يكون إلا بدليل تقدمه الإدارة الجمركية ذاتها.


ولذات الأسباب، ولإحداث المشرع الجنائي قرينة قانونية مماثلة، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص المادة (121) من قانون الجمارك الصادر بقرار رئيس الجمهورية بقانون رقم (66) لسنة 1963، وذلك فيما تضمنته فقرتها الثانية من افتراض العلم بالتهريب إذا لم يقدم من وجدت في حيازته البضائع بقصد الاتجار المستندات الدالة على أنها قد سددت عنها الضرائب الجمركية المقررة.


كما قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (25) من قرار نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمن الغذائي رقم (517) لسنة 1986 بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم، لأنها أقامت قرينة قانونية مفادها أن عدم ختم أجزاء الذبائح بخاتم المجزر الرسمي يقطع بأنها لحوم فاسدة وغير صالحة للاستخدام الآدمي، وأن عارضها يعلم بفسادها.


وفي هذا السياق، يؤكد المجلس الدستوري الفرنسي أنه: " لا يجوز للسلطة التشريعية أن تضع افتراضاً بالإذناب في مسائل التجريم والعقاب ".


القاعدة الثانية: دستورية التجريم عن طريق ضابط عام يرتكز على النتيجة المؤثَّمة:


تنص المادة (151) من قانون الزراعة رقم (53) لسنة 1996 على أن:

" يحظر على المالك أو نائبه أو المستأجر أو الحائز للأرض الزراعية بأية صفة ترك الأرض غير منزرعة لمدة سنة من تاريخ آخر زراعة رغم توافر مقومات صلاحيتها للزراعة ومستلزمات إنتاجها التي تحدد بقرار من وزير الزراعة. كما يحظر عليهم ارتكاب أي فعل أو الامتناع عن أي عمل من شأنه تبوير الأرض الزراعية أو المساس بخصوبتها ".


وعاقب القانون المذكور على مخالفة أحكام هذه المادة بالحبس والغرامة بموجب نص المادة (155) منه.


وقد عُرض أمر دستورية المواد سالفة الذكر على المحكمة الدستورية العليا، تأسيساً على أن التجريم الوارد بها يشوبه الغموض وعدم التحديد، وعلى الرغم من أن الطعن قد يبدو منطقياً في ظاهره، لاسيما وأن المادة (151) لم تحدد أي أفعال أو صور للامتناع بالتجريم الوارد بها.


إلا أن المحكمة الدستورية العليا كان لها رؤية أخرى للنصوص سالفة البيان. فقد قررت المحكمة أن:

" الجرائم التي تناولها قانون الزراعة إنما تستهدف الحفاظ على الرقعة الزراعية ورد العدوان عليها، والتي تعتبر من أولى حلقاته تبوير الأرض الزراعية أو المساس بخصوبتها، بغية تغيير معالمها ثم استخدامها في أغراض أخرى لا تتعلق بالزراعة.

ومن أجل ذلك تدخل المشرع بالنص الطعين مؤثماً كل فعل أو امتناع يمسها من خلال نظرة غائية هي الجامعة بين الفئتين، معتمداً لتحديدها ضابط عام يكون كاشفاً عن ماهية الأفعال التي حظرها ومحدداً لمضمونها بالرجوع إلى مراميها والغرض المقصود منها، ليكون مناط تجريمها ارتكابها بقصد تبوير الأرض الزراعية أو المساس بخصوبتها، فكلما كان ارتكاب الفعل أو الامتناع مستهدفاً تلك النتيجة المؤثمة، دل ذلك على وقوع مرتكبها في دائرة التجريم.

وبهذا أتى النص الطعين محدداً تلك الأفعال أو الامتناع بطريقة واضحة لا لبس فيها أو غموض أو التواء، وهي قاطعة في اتجاهها مباشرة إلى الأغراض التي توخاها لتأمين المصلحة المقصودة بالحماية، لتتوافر بذلك للجريمة التي تناولها هذا النص ركناها المادي والمعنوي.

ولتتولى محكمة الموضوع تحرٍيهما وصولاً إلى التحقق من وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها وتقدير العقوبة المناسبة لها، وليس فيما انتهجه المشرع بالنص الطعين ابتداع غير مسبوق، إذ كثيراً ما يعتمد قانون العقوبات - وهو الشريعة العامة في مجال التجريم والعقاب - هذا المنحى في التأثيم ".


وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا ذات القاعدة بشأن الفقرة الثانية من المادة (121) من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم (66) لسنة 1963، والتي تقضي بأنه:

" ..........، يعتبر في حكم التهريب تقديم مستندات أو فواتير مزورة أو مصطنعة أو وضع علامات كاذبة أو إخفاء البضائع أو العلامات أو ارتكاب أي فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوعة ".


فحين تم الطعن على دستورية الفقرة سالفة البيان، تأسيساً على أن التجريم الوارد بها قد افتقد إلى صفة التحديد، قررت المحكمة الدستورية العليا أنه:

" بشأن الأفعال التي أثَّمها المشرع - وهي تلك التي ترمي إلى العدوان على المصلحة الضريبية - فقد دل الواقع العملي على صعوبة حصرها وإيرادها واحداً واحداً، ذلك أن الطرق والوسائل التي يبتدعها المكلَّفون بأداء الضريبة الجمركية بقصد التخلص منها، يتعذر رصدها أو إحصاؤها أو توقعها، وهي تتنوع في صورها تبعاً لتطور العلوم التي تحمل معها ألواناً جديدة من المعرفة كان التنبؤ بها أو الإرهاص باحتمالاتها بعيداً.

ولم يكن أمام المشرع من خيار في مجال تحديد الأفعال المنهي عنها، إلا أن يُبينها من خلال ضابط عام لا يجهل بمضمونها أو يثير اللبس حول حقيقتها، بل يحدد محتواها بالرجوع إلى مرماها أو الغرض المقصود منها، جاعلاً بذلك مناط تجريمها ارتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة على البضاعة التي يراد تهريبها.

وقد أورد القانون الجمركي - من خلال النص المطعون عليه-  صوراً من الأفعال التي تدخل في إطار هذا المعيار العام وتعتبر من تطبيقاته، ومن ذلك تزوير الجاني لأوراق أو اصطناعها في شأن البضائع موضوعها، أو وضع علامات كاذبة عليها أو محاولة إخفائها توقياً لأداء الضريبة الجمركية المقررة عليها.

بيد أن هذه الأفعال جميعها وإن اختصها القانون الجمركي بالبيان، إلا أنها لا تختلف في غاياتها عن تلك التي ترمي إلى التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر.

وإفراغ النص المطعون فيه على هذا النحو تعريفاً بالأفعال التي جرَّمها، لا يعدو أن يكون تبنياً للقوالب الفنية للصياغة التي يلجأ فيها المشرع إلى التعميم بعد التخصيص.

كذلك فإن اعتداد القانون الجمركي بضابط عام يكون كاشفاً عن ماهية الأفعال التي حظرها ومُحَدداً لمضمونها، لا ابتداع فيه، وليس أمراً فريداً أو دخيلاً، ذلك أن القانونالجنائي - وهو الشريعة العامة التي تنتظم الجرائم وتحدد عقوباتها - كثيراً ما يعتمد هذا المنحى في التأثيم.

ودليل ذلك أن جريمة استيلاء الموظف العام على الأموال العامة، وفقاً لنص المادة (113) من قانون العقوبات تتحقق بأي فعل يأتيه الجاني لانتزاع حيازتها بقصد تملكها بغير حق وبأية وسيلة يراها مؤدية إلى الحصول عليها.

كذلك تقع جريمة القتل المنصوص عليها في المادة (230) منه بكافة صور الاعتداء على حق الإنسان في الحياة - وهو حق متأصل فيه - وذلك كلما كان القصد منها إزهاق الروح ".


وقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية ذات القاعدة، بشأن قانون حماية الحيوانات المهددة بالانقراض، إذ قدَّرت أن مصطلح " إلحاق الضرر" الوارد بهذا القانون، يمتد ليشمل كافة الأفعال التي يمكن أن تؤدي إلى الإضرار بالحياة البرية أو الحيوانات المهددة بالانقراض.


وبناء على ذلك، رفضت المحكمة العليا الأمريكية الطعن المقدم من أحد المتهمين ضد نصوص هذا القـانون، تأسـيـساً على أن الـقـانون لم يـجرم فـعل " الاضـرار بـموائل الحـيوانات أو تـغيـير معالمها " على وجه التحديد.

بل وأضافت المحكمة العليا الأمريكية أن هذا الضرر قد يمتد ليشمل كافة الأفعال التي يكون لها اثار سلبية ضئيلة أو غير متوقعة على الحياة البرية، ولا يشترط ذلك الضرر أن يكون هناك سلوك سلبي مباشر تجاه الحيوانات المهددة بالانقراض.


هل تخضع السلطة التقديرية للمشرع الجنائي لرقابة القضاء الدستوري؟


والسلطة التقديرية للمشرع الجنائي في انتقاء الأفعال المجرمة جنائياً لا تخضع لرقابة القضاء الدستوري، وهو ما أفصحت عنه المحكمة الدستورية العليا بقولها أن:

" التجريم ليس عملاً قضائيًاً، وإنما هو عمل تشريعي أصيل ". فهي خصوصية المشرع المنفردة بمقتضى نص الدستور، ومجاله الشرعي بمقتضى مبدأ الفصل بين السلطات، ويتكامل ذلك مع مبدأ راسخ من مبادئ القضاء الدستوري، تطبقه المحكمة الدستورية العليا باعتباره نوعاً من أنواع الرقابة الذاتية التي تمارسها على نفسها أثناء رقابتها على دستورية القوانين، وهو أن:


" القضاء الدستوري لا يراقب ضرورة إصدار التشريع أو ملائمته أو مدى الحاجة إليه ".


والمشكلة الحقيقية التي تثور بشأن عدم خضوع السلطة التقديرية للمشرع إلى رقابة القضاء الدستوري، هي الاعتراف القضائي والفقهي بحق القضاء الدستوري في البحث عن أغراض التشريع والتحقق من وجود الضرورة الاجتماعية في التجريم، والتناسب بين أغراض التشريع وأحكامه.


في حين يوجد مبدأ أساسي من مبادئ الرقابة القضائية على دستورية القوانين يلزم القضاء الدستوري بعدم التعرض لبحث ضرورة التشريع أو ملائمة إصداره. وهو ما يوحي للوهلة الأولى بوجود منطقة متداخلة بين القاعدتين، تنطوي على نوع من التعارض.


الفرق بين الضرورة والتناسب وملائمة التشريع:


والواقع أن التناسب يعني العلاقة بين سبب التشريع ومحله. أي مدى التوافق والتقارب والتناسق بين الحالة الواقعية والقانونية، التي جعلت السلطة المختصة تفكر في إصدار تشريع معين لتنظيم وحكم هذه الحالة، وبين محل أو موضوع التشريع ذاته، أي الأثر القانوني المراد تحقيقه من وراء إصدار مثل هذا التشريع.


أما ملائمة التشريع فهي تعني: " توافق التشريع مع توقيت صدوره، والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يصدر فيها "، فالبرلمان يتمتع بسلطة تقديرية في هذا المجال، بحيث يقرر ما إذا كان من الملائم إصدار التشريع أم لا.


وإذا قرر إصداره، فهو الذي يختار الوقت الملائم لإصداره، وإذا استقر على التوقيت الملائم لإصداره، فهو الذي يقرر مدى ملائمة الظروف المحيطة به لإصدار مثل هذا التشريع.


وإذا كان الأصل في سلطة التشريع عند تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، والرقابة القضائية علىدستورية التشريعات لا تمتد إلى ملاءمة إصدارها، إلا أن هذا لا يعني إطلاق هذه السلطة في سن القوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التي نص عليها الدستور.


فالسلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور التي تبين تخوم الدائرة التي لا يجوز اقتحامها.


ومن هنا؛ يحق للقضاء الدستوري الرقابة على غاية التشريع، أي رقابة الهدف الذي ابتغى المشرع تحقيقه من إصدار القانون، وإذا قرر القاضي الدستوري أن المشرع لم يستهدف من وراء القانون تحقيق المصلحة العامة بوجه عام، أو المصلحة العامة المخصصة التي حددها له الدستور، فإنه يقضي بعدم دستورية هذا القانون بناء على انطوائه على انحراف تشريعي.


ولا علاقة بين غاية التشريع والسلطة التقديرية، لأن غاية القانون ينبغي أن تكون دائماً هي المصلحة العامة وحدها.


ولذلك؛ تؤكد المحكمة الدستورية العليا أن:

" العدالة في غاياتها لا تنفصل عن علاقتها بالقانون باعتباره أداة تحقيقها، فلا يكون القانون منصفاً إلا إذا كان كافلاً لأهدافها، فإذا ما زاغ ببصره عنها أو أهدر القيم الأصيلة التي تحتضنها، كان منهياً للتوافـق في مجال تنفيذه، ومسقطاً كـل قيمة لوجـوده، ومستوجباً تغييره أو إلغاءه ".


وبالتالي، فإن رقابة القضاء الدستوري على غاية التشريع وأهدافه خاصة في مجال الحقوق والحريات باستخدام قواعد التجريم والعقاب، لا تجافي السلطة التقديرية للمشرع ولا تنكرها ولا تقوض مضمونها.


وإنما تراقب مدى تجاوز حدود السلطة التقديرية للمشرع من عدمه، في ضوء الغاية من التشريع. فكما قيل - وبحق - أن: " السلطة التشريعية لم تعد بالسذاجة التي يمكن أن تضع بها نصاً يكون مخالفاً مخالفة صريحة ومباشرة للدستور".


الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع في مصر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية:


وقد تبنى القضاء الدستوري في كل من مصر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية هذا الرأي، وان اختلف كل منهم في الأساس الذي يبني عليه رقابته على عنصر الغاية من التشريع.


ففي مصر؛ اعتمدت المحكمة الدستورية العليا مبدأ " مراقبة درجة القيود التي يفرضها المشرع على الحقوق والحريات وهو بصدد تنظيمها ".


ففي الحالة التي يتجاوز فيها المشرع حدود سلطته التقديرية في تنظيم هذه الحقوق والحريات ويهدرها، بواسطة أحد القوانين، أو يقيدها تقييداً واسعاً بأن يفرض على من يمارسها شروطاً تجعل ممارسته لها صعبة أو عسيرة، بما يجاوز الغاية التي استهدف المشرع تحقيقها من وراء إصدار هذا القانون فإن المحكمة تقضي بعدم دستوريته.


وفي فرنسا، وبعد أن أكد المجلس الدستوري الفرنسي أنه لا يحل إرادته الخاصة محل إرادة المشرع في تقدير ضرورة فرض العقوبات على الجرائم التي يحددها القانون.


ويؤسس المجلس الدستوري الفرنسي رقابته على تجاوز المشرع لحدود سلطته التقديرية في تنظيم الحقوق والحريات على فكرة الخطأ الظاهر أو الواضح في التقدير، ويقضي بعدم دستورية التشريع الذي ينطوي على خطأ بيِن أو ظاهر في التقدير من جانب المشرع، ينتج عنه عدم تناسب بين الإجراء الذي اختاره المشرع والغاية التي استهدف المشرع تحقيقها من إصدار التشريع.


وكذلك يقضي بعدم دستورية التشريع الذي يتضمن إجراء أشد تقييداً للحق أو الحرية إذا كان هناك إجراء أخف ولم يقم المشرع باختياره.


وفي أمريكا، قررت المحكمة العليا الأمريكية أن الرقابة القضائية على دستورية التشريعات التي يمارسها القضاء الدستوري هي رقابة فنية ذات طابع قانوني مجرد، تقتصر على المسائل الدستورية، ولا تمتد بالتالي إلى المسائل التي تدخل في الاختصاص التقديري للسلطة التشريعية، ولا إلى ما يتعلق بملائمة التشريع وبواعث إصداره.


طالما أن التشريع غير ظاهر البعد عن غايته. وذهبت المحكمة العليا الأمريكية إلى أنه: " من أقدس واجبات المحكمة أن تمتنع عن إعمال كل نص تشريعي يتخذ كذباً صفة القانون إذا ثبت أنه يتعرض لأمور لا يختص الكونجرس بالتعرض لها ".


وفي أسبانيا؛ قضت المحكمة الدستورية الاسبانية بأنه: وإن كان المشرع ينفرد بتحديد المصالح القانونية الواجب حمايتها وبتحديد السلوك المعاقب عليه، وكذلك بإقامة التناسب بين السلوك المعاقب عليه والجزاء الجنائي، إلا أن القاضي الدستوري يقتصر على بحث مدى ملاءمة الجزاء الجنائي إذا كان هذا الجزاء في ظاهره غير مفيد.


وقضت بأن القيود المفروضة على ممارسة الحقوق الأساسية يجب تفسيرها وتطبيقها على نحو ضيق، ولا يجوز التوسع في ذلك عما هو ضروري للمحافظة على المصالح والحقوق الدستورية المحمية.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -