القائمة الرئيسية

الصفحات

مبدأ المساواة في القانون الجنائي. ماهية مبدأ المساواة وأهميته وتاريخه


يتخذ مبدأ المساواة مضموناً خاصاً في مجال القانون الجنائي قد يختلف عن المفهوم العام لمبدأ المساواة في كافة القوانين، ويرجع ذلك إلى طبيعة قواعد القانون الجنائي التي فرضت ذاتيتها على مبدأ المساواة.


مبدأ المساواة في القانون الجنائي. ماهية مبدأ المساواة وأهميته وتاريخه
مبدأ المساواة في القانون الجنائي. ماهية مبدأ المساواة وأهميته وتاريخه 


تاريخ مبدأ المساواة في القانون الجنائي:


لا يعتبر مبدأ المساواة في القانون الجنائي مبدأ قديماً ومتجذراً بعمق في الفكر الجنائي، فمبدأ المساواة يعتبر مبدأ حديث نسبياً في القوانين الجنائية.


فقديماً؛ لم يكن الجناة على اختلاف طبقاتهم سواء أمام العقوبة. فقد كان هناك تمييز بين الأحرار والعبيد، وبين الأشراف والمتوسطين من الشعب وطبقة الدهماء. وقد تطور القانون الجنائي بعد ذلك ببطء، فأخذ المقننون يلغون امتيازات الطبقات، ويطبقون مبدأ المساواة في القانون الجنائي.


ولاسيما في ظل القانون الروماني. ومن أمثلة ذلك: أن جريمة المساس بذات صاحب الجلالة (ويقصد به الامبراطور) بالقول أو بتحطيم أحد تماثيله كانت عقوبتها الإعدام بقطع الرأس إذا كان الجاني من طبقة متوسطي الشعب، بينما كانت عقوبتها الإعدام بالحرق أو بإلقاء الجاني أمام الوحوش الكاسرة إذا كان الجاني من الدهماء.



كما أن جريمة التزوير كانت عقوبتها النفي ومصادرة الأموال إذا كان الجاني من المتوسطين، بينما تشدد إلى الأشغال الشاقة في المناجم أو الإعدام إذا كان الجاني من الدهماء.



كما كان التمييز قائماً بين المواطن والأجنبي، ولاسيما في ظل القانون الروماني الذي خصص لغير الرومانيين قانوناً اسمه " قانون الشعب " يستقل بقواعده وأحكامه عن القانون الروماني الذي كان تطبيقه يقتصر على الرومان.


وقد كتب الدكتور/ محمود نجيب حسني في هذا المعني أنه: في مصر؛ فإن مبدأ المساواة أمام القانون الجنائي يعد حديثاً: فقبل الإصلاح القضائي سنة 1883، كان القانون يفرق في العقاب بين ما إذا كان من يستوجبه هو " من العلماء الفخام والسادات الكرام وخيرة الناس وأصحاب الرتب " أو كان من " أوساط الناس والسوقة ومن يشابههم ".



أهمية مبدأ المساواة في القانون الجنائي:


مبدأ المساواة في القانون الجنائي تفرضه اعتبارات إقامة العدالة وكفالة الاستقرار الاجتماعي والقبول العام للقاعدة الجنائية في المجتمع لدى المخاطبين بأحكامها، وتنفيذ المبادئ والأحكام الدستورية والقانونية في الدولة القانونية الحديثة.


ويقول الدكتور/ أحمد فتحي سرور في مبدأ المساواة أن: مبدأ المساواة يعتبر من المبادئ العامة للقانون، كما يعتبر أحد دعائم دولة القانون، على أساس أن سيادة القانون لا تعلو ما لم يطبق على قدم المساواة.


وبناء على ذلك، لا يحتاج هذا المبدأ إلى نص صريح في القانون باعتباره جزءاً مفترضاً في النظام القانوني للدولة القانونية، ومن ثم؛ فإنه يتمتع بالقيمة الدستورية سواء بناءً على نص صريح في الدستور، أو باستخلاصه ضمناً من مواده التي تعتنق النظام الديمقراطي ومبدأ سيادة القانون.



كما أن مبدأ المساواة أمام القانون لا يقتصر نطاق تطبيقه على الحقوق التي كفلها الدستور، وإنما يمتد كذلك إلى ما يكون منها قد تقرر بقانون - أو بآداة تشريعية أدنى - في حدود السلطة التقديرية التي يملكها المشرع. فالمساواة أمام القانون غدت شرط دائم لاتفاق التشريع أو القانون مع الدستور.



ويعتبر مبدأ المساواة حجر الزاوية في كل تنظيم ديمقراطي للحقوق والحريات العامة، فهو من الديمقراطية بمثابة الروح من الجسد، ودونه ينتفي معنى الديمقراطية وينهار كل مدلول للحرية.


والرأي الغالب في الفقه المعاصر يجعل المساواة أساساً وركيزة لكل الحريات وليست حرية من الحريات؛ إذ أن المساواة أمام القانون ليست في ذاتها حرية من الحريات، وإنما يكون التساوي في الحقوق والحريات.


أي أن القاعدة القانونية التي تضمن حرية الرأي تطبق على جميع أفراد المجتمع دون تفرقة، وبغير مساواة في تطبيق هذه القاعدة القانونية لا يمكن القول إن حرية الرأي مكفولة في المجتمع، وبالمثل المساواة في حق اللجوء إلى القضاء، وهكذا.


فالمساواة أساس القاعدة القانونية وأساس مبدأ الشرعية وأساس العدل، وإذا لم يحترم مبدأ المساواة تنهار في المجتمع قيم كثيرة إحداها الحرية. كما تظهر أهمية المساواة في المجتمع في أنها تشيع في نفوس الناس الأمن والاطمئنان وعدم الخوف على حقوقهم ومصالحهم، وإنكار المساواة يبرر الفتنة والحقد بين أفراد المجتمع.

 


مفهوم مبدأ المساواة في مجال القانون الجنائي:

 

لا ينصرف مفهوم مبدأ المساواة في المجال الجنائي إلى تلك المساواة الحسابية أو المطلقة بين جميع الأفراد المخاطبين بالقاعدة القانونية الجنائية. بحيث أن كافة نصوص التجريم والعقاب تسري على كافة الأفراد دون أي تمييز أو اعتبارات أخرى.


وإنما المقصود بالمساواة في المجال الجنائي هي تلك المساواة النسبية التي يتحقق بها التساوي بين الأشخاص الذين يمكن جمعهم في قالب معين يكفل توصيف حالتهم وبذلك تتحد مراكزهم القانونية، فكما قيل وبحق: ان المساواة لا تكون إلا بين أصحاب المراكز القانونية المتساوية.




فالمشرع الجنائي يملك - وفقاً لسلطته التقديرية ووفقاً لما تمليه المصلحة العامة - أن يضع شروطاً معينة يحدد بها المراكز القانونية للأفراد بحيث يكون لمن توافرت فيهم هذه الشروط أن يتم معاملتهم بنفس القاعدة الجنائية على قدم المساواة.


وذلك لأن مراكزهم القانونية قد اتحدت. كما أن المشرع يسلم العقوبة للقاضي الجنائي بين حدين أدنى وأقصى حتى يتمكن القاضي من الحكم بالعقوبة التي تناسب كل جانِ.


وذلك حتى يتمكن القاضي الجنائي من الحكم بالعقوبة التي تناسب كل متهم بحسب ظروفه الشخصية ومدى جدارته بالعقاب ودرجة الإذناب التي كشفت عنها جريمته ومدى وجود تاريخ إجرامي لديه من عدمه. والنظر كذلك في الظروف والملابسات التي ارتكبت فيها الجريمة موضوع المحاكمة الجنائية.



وبالتالي: فإن المقصود بمبدأ المساواة في مجال القانون الجنائي: هو مساواة الأفراد في الخضوع لنص التجريم الذي يجرم فعل معين، واستحقاق العقوبة التي يقررها نص التجريم. دون أن يعني ذلك التزام القاضي الجنائي بالحكم بنفس العقوبة على كافة الأشخاص الذين ارتكبوا نفس الفعل.

 

مبدأ المساواة في القانون الجنائي والحصانات الإجرائية لبعض الفئات:


ويحتفظ مبدأ المساواة بين الناس أمام العقوبة بقوته حتى في مواجهة من يتمتعون بحصانات وفقاً للقانون الداخلي أو الدولي.


ومن أمثلة الحصانات الإجرائية على مستوى القانون الداخلي: الحصانة الإجرائية التي يتمتع بها أعضاء مجلس النواب تيسيراً للقيام بأعمالهم النيابية وتأميناً لهم من السلطة التنفيذية أثناء ممارسة العمل النيابي.


ومن أمثلة الحصانات الإجرائية على مستوى القانون الدولي: الحصانات الدبلوماسية والقنصلية التي يتمتع بها أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي في مواجهة قواعد قانون الإجراءات الجنائية الداخلية مراعاة لقواعد القانون الدولي التي تحاول توفير الحماية الكاملة للمبعوثين الدبلوماسيين أثناء تأدية أعمالهم.


فالتحليل السليم للأثر القانوني لتلك الحصانات مؤداه أنها لا ترتب إعفاءً موضوعياً من الخضوع لنصوص التجريم والعقاب، وإنما تولد إعفاءً ذا طبيعة إجرائية من الخضوع للإجراءات الجنائية والقضاء الجنائي لاعتبارات الملائمة التي تقف وراء تقريرها، وبالشروط التي تحددها.



مبدأ المساواة في القانون الجنائي ومبدأ تفريد العقاب:


يعد مبدأ تفريد العقاب من المبادئ العقابية الجديرة بالرعاية والتي تكفل فاعلية العقوبة الجنائية وحسن آدائها لوظائفها المرجوة ولاسيما إصلاح المحكوم عليه وإعادة تأهيله ودمجه في المجتمع باعتباره عنصراً صالحاً وفعالاً فيه.


ولذلك؛ فقد يترتب على إعمال مبدأ تفريد العقاب تفاوت العقوبات الجنائية - في الحدود المسموح بها تشريعياً - على مرتكبي الجريمة الواحدة بحسب ظروف كل جريمة وملابساتها والاعتبارات الشخصية التي تختلف من شخص لآخر، وفقاً لما يجيزه المشرع في حدود معينة.


وقد ذهب بعض الفقه الجنائي إلى القول بإمكانية وجود خلل في تطبيق مبدأ المساواة في القانون الجنائي نتيجة تطبيق مبادئ التفريد التشريعي والقضائي للعقوبة الجنائية على النحو سالف البيان.


وفي هذا الشأن: يقول السيد الأستاذ الدكتور/ أحمد عوض بلال أنه: لا يخل بقاعدة المساواة بين الناس أمام العقوبة أن يتقرر (الإيلام) الذي تتضمنه العقوبة الجنائية على المستوى التشريعي على نحو مجرد وتغيير كمه بعد ذلك أو طريقة تنفيذه في الحدود التي ينص عليها القانون أمام القضاء أو أمام جهات التنفيذ العقابي.


فالمساواة لا تعني أن ذات العقوبة يجب النطق بها على ذات النحو وبذات القدر على كافة المتهمين بارتكاب جريمة معينة في الحالات الواقعية على اختلافها، ولا أن ذات الكيفية في التنفيذ يلزم اتباعها في مواجهة كافة المحكوم عليهم بذات العقوبة عن الجريمة الواحدة.


ذلك أن موجبات تفريد العقاب أصبحت تخول القاضي سلطة تقديرية واسعة في اختيار قدر العقاب على النحو الذي يتلاءم مع شخصية المتهم في كل حالة على حدة، وقد يختلف تقييمه في مواجهة أكثر من متهم ارتكبوا ذات الفعل.



ولكن تفاوت مصائرهم بشأن العقاب لا يعني رغم ذلك إخلالاً بمبدأ المساواة في القانون الجنائي وخاصة أمام العقوبة الجنائية طالما كان القاضي الجنائي يستخدم سلطته التقديرية في إطار القانون، ووفقاً للضوابط العامة والمجردة التي تتحقق بها المساواة.


وفي ذات الاتجاه: فإن المرونة التي أضحت تتمتع بها الإدارة العقابية في التنفيذ العقابي، وتعديل طريقة التنفيذ بما يتلاءم مع شخصية كل نزيل لا يخل بقاعدة المساواة بين النزلاء المحكوم عليهم ابتداء بذات العقوبة.

 

شاهد أيضاً:


كيفية إعداد رسالة علمية ( أطروحة ماجستير / دكتوراه ) في القانون.