أخر الاخبار

مبدأ الضرورة والتناسب في القانون الجنائي : نسبية فكرة التجريم

 مبدأ الضرورة والتناسب في التجريم والعقاب:


يعتبر مبدأ الضرورة والتناسب في القانون الجنائي من المبادئ الرئيسية الحاكمة لقانون العقوبات، التي يجب أن يرتكز عليها المشرع الجنائي أثناء ممارسة سلطته التقديرية في تحديد الأفعال التي يقرر إدخالها إلى دائرة التجريم.

كما أن الضرورة والتناسب في التجريم والعقاب من المبادئ الرئيسية التي يراقب بها القضاء الدستوري مدى اتفاق نصوص التجريم والعقاب مع أحكام الدستور.


الضرورة والتناسب في التجريم والعقاب, الضرورة والتناسب في القاعدة الجنائية, الضرورة والتناسب في القانون الجنائي, الضرورة والتناسب في قانون العقوبات, ما المقصود من مبدأ التناسب؟ ما هو مبدأ الضرورة؟
مبدأ الضرورة والتناسب في القانون الجنائي : نسبية فكرة التجريم


ويقتضي مبدأ الضرورة الاجتماعية في التجريم أن تكون فكرة الضرورة الاجتماعية - بما تحمله من مرونة وقابلية للتغيير- هي نقطة البداية التي يتحرك منها المشرع الجنائي نحو إصدار نصوص التجريم والعقاب.


كما أن المشرع الجنائي في مقام حمايته للحقوق والحريات، يراعي التوازن بين هذه الحماية، وبين ما يتمتع به الغير من حقوق وحريات، وكذلك التوازن بين هذه الحماية وبين المصلحة العامة المتمثلة في النظام العام.


فالنظام الدستوري للحقوق والحريات لا يمكن أن يتماسك إلا بعدم المبالغة في وزن أحد مكونات هذا النظام. لهذا كانت الضرورة الاجتماعية والتناسب ضابطين متكاملين لتحديد هذا التوازن في مجال التجريم، وبهذا التناسب تتحقق العلاقة المنطقية بين الوسائل والغايات.


ويربط بعض الفقه بين جسامة الخطر ومقدار المساس بالحريات الفردية تعبيراً عن عنصر التناسب، فإن كان هذا الخطر تافهاً فليس للسلطة أن تضحي بالحرية من أجل تلافيه، وكلما كان الخطر جسيماً كان للسلطة أن تحد من الحرية بقدر أكبر.


نسبية فكرة التجريم:


عرف المجتمع الإنساني منذ نشأته أفعالاً أطلق عليها وصف الجرائم، فمثل هذه الأفعال دخلت منذ وقت بعيد إلى دائرة الاهتمام العام، فالقانون الجنائي قديم قدم الإنسان، وهو بغير شك أقدم فروع القانون.


ويمكن تعريف الجريمة الجنائية بعبارة موجزة بأنها: " فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدبيراً احترازياً ".


لذا؛ فالجريمة مخلوق قانوني ليس إلا. والفعل أو الامتناع في ذاته ليس فيه خصائص ذاتية ثابتة تخلع عليه وصف الجريمة دائماً أو تبعد عنه هذا الوصف دائماً.


وإنما الأمر نسبي أو تقديري: فما كان مباحاً يمكن أن يصبح مجرماً بنص، رغم أن الفعل أو الامتناع في ذاته لم يتغير. وما كان مُجَرَّماً يمكن أن يصبح اليوم فعلا مباحاً، رغم أن شيئاً من مكونات الفعل لم يتغير.


وتحديد ما هو مقبول وما هو مرذول من مظاهر سلوك الأفراد مقترن بطبيعة النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي السائد في الدولة، ومدى ما وصلت إليه من اعتناق مبادئ الحرية والديمقراطية نظرياً وعملياً.


فمدلول الفعل المجرم يتباين بحسب الزمان والمكان وطبيعة النظام الاجتماعي، ومن هنا؛ فإن فكرة التجريم الجنائي فكرة نسبية متغيرة تستعصي على الجمود والثبات،

وبالتالي تستعصي على التحديد الدائم. ولكن يمكن القول دائماً أن الفعل المجرَّم يجب أن يتصف بأنه " ضار" بالحقوق الشخصية أو المصالح الاجتماعية.


الحد من التجريم والحض على التجريم:


وقد تطال هذه النسبية أيضاً بعض الأفعال المحكومة بنصوص للتجريم والعقاب سارية المفعول، إذ قد يكشف التطبيق العملي لتلك النصوص عن خلل في معالجة المشرع الجنائي لبعض الموضوعات الجنائية.


فيتضح أن التجريم الجنائي على صورته الحالية لم يكن في وضعه الأمثل، ولم يؤت ثماره، فيتدخل المشرع الجنائي بتوسيع دائرة التجريم الجنائي لتشمل أفعال جديدة يسبغ عليها وصف التجريم، أو تغليظ العقوبة الجنائية المقررة للفعل المؤثَّم.


ويتضح ذلك عند ظهور أنماط سلوكية ضارة اجتماعياً كباعث دافع إلى تعديل النص أو إضافته. مثل: تنامي ظاهرة سرقة منافع السيارات، وتنامي ظاهرة عرض صور للبيع تسئ إلى سمعة البلاد.

وكذلك تنامي ظاهرة معاكسة النساء في الأماكن العامة، وتنامي ظاهرة امتناع المسئولين في الوزارات المختلفة عن تنفيذ الأحكام، وتنامي ظاهرة استخدام التليفون في السب والقذف.


كما قد يتراءى للمشرع الجنائي أنه ذهب - في سبيل حماية حق أو مصلحة ما - إلى أبعد مما ينبغي، فيرتد بالتجريم والعقاب حفاظاً على حقوق أخرى في مقدمتها أن الأصل في الأشياء الإباحة والاستثناء هو التجريم، وحفاظاً على التناسب في نطاق التجريم الجنائي، والتناسب بين هذا الأخير والجزاء المقرر من أجله.


وتحت مظلة النظام الاجتماعي السائد بكل معطياته، يتولى المشرع الجنائي وضع نصوص التجريم والعقاب مقرراً الحماية الجنائية للمصالح الاجتماعية والفردية على تنوعها، وفقاً للسياسة الجنائية التي يتبناها.


حيث لا يتناقض الالتزام الدستوري للقانون الجنائي مع تطويره وفق مبادئ علم الإجرام أو النتائج العملية لتطبيق النصوص الجنائية، فقد يكون منع التجريم والعقاب أي " الحد من التجريم " هو الوسيلة القانونية المناسبة لحماية حق من الحقوق، وقد يكون " الحض على التجريم " هو الوسيلة الواجبة للحماية.


مع ما قد يترتب على ذلك من ارتفاع العدد الإجمالي للجرائم، الذي سوف يزيد بزيادة الانتهاكات التي ترد على القوانين الجديدة. ويقدر المشرع الجنائي جميع الاعتبارات السابقة وهو بصدد التدخل بالتنظيم التشريعي لمسألة ما، وفقاً لسلطته التقديرية.


السلطة التقديرية للمشرع:


وتعني السلطة التقديرية للمشرع: المفاضلة بين البدائل المتنوعة المتاحة أمام المشرع لمواجهة مشكلة ما، واختيار أنسبها لإيجاد حل لهذه المشكلة وتحقيق غرض التشريع الذي يجب أن ينصرف دائماً إلى تحقيق المصلحة العامة.


فالمشرع في تنظيمه للعلاقات الاجتماعية يجب أن يراعي دائماً أن الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر، وأنه لا يمكن تحقيق الحماية الاجتماعية إلا من خلال حماية الإنسان (أي حقوقه وحرياته).


وحماية الإنسان تكون إما بالنظر إليه بوصفه مجنياً عليه أو بوصفه متهماً. وبناء على ذلك، لا يجوز أن نتصور صداماً بين مقتضيات الحماية الاجتماعية وبين متطلبات الحماية الإنسانية أي حماية الحقوق والحريات.


السياسة الجنائية للمشرع لابد أن تقوم على التوازن:


وبشكل عام يجب أن تقدم السياسة الجنائية للمشرع معياراً معتدلاً للتجريم، يعبر عن ديمقراطية الدولة واتزان منهج المشرع، لأن اختلال معيار التجريم يعني أن القانون لم يعد يعبر عن القيم السائدة في المجتمع تعبيراً صحيحاً، كما سيؤدي حتماً إلى إنكار مبادئ وأحكام الدستور.


فالتشدد التشريعي من جانب الدولة وتدخلها بالتجريم الجنائي والعقاب على أفعال لا تستحق هذا التشدد، أو الخلل في التعادل بين الجزاء ودرجة الإذناب لدى مقترف الجريمة، إنما يعبر عن بطش الدولة واستبدادها، وخلق حالة من عدم الثقة بين الحكام والمحكومين، وتزكية الشعور بالظلم الاجتماعي لدى المخاطبين بأحكام القانون.


وعلى الجانب الآخر، فإن التراخي التشريعي في معالجة مشكلات المجتمع بحسم وقوة، يفقد ثقة الأفراد في المنظومة التشريعية وفي قدرتها على صون حقوقهم والدفاع عن مصالحهم الجديرة بالحماية، وينمي روح الانتقام الفردي لدى كل من يظن أنه صاحب حق أو معتدى عليه.


الحدود الدستورية لمبدأ نسبية التجريم الجنائي:


وجدير بالذكر، أن تلك النسبية التي تلحق بالتجريم الجنائي تتوقف أمام نصوص الدستور القائم من وجهتين:


الأولى: هي حالات التجريم الدستوري، أي الحالات التي تتكفل فيها نصوص الدستور بالتجريم الجنائي في بعض المجالات، ففي مثل هذه الحالات لا يملك المشرع الجنائي إلا الامتثال لأمر الدستور بوضع التجريم الدستوري في قالب قانوني مكتمل الأركان.


أما الوجهة الثانية: فتتمثل في ضرورة خضوع التجريم الجنائي لأحكام الدستور التي تقرر أسباباً للإباحة ومجموعة من الحقوق والحريات الفردية التي لا يجب أن يتعرض لها المشرع الجنائي بالتجريم.


المصادر:

 

  1. Frank Schmalleger: The natural and history of criminal law, USA, prentice Hall, 2006.
  2. Nicola Monaghan: Criminal Law, united kingdom, Oxford university press, fifth Edition, 2018.
  3. Stephen E. Brown, Finn-Aage Esbensen, Gilbert Geis: Criminology Explaining Crime and Its Context, USA, Elsevier publishing, Eighth Edition, 2013.          
  4. Charles P. Nemeth: Criminal Law, USA, CRC press, 2011.
  5. Lisa Cherkassky: Criminal Law, USA, Oxon, Routledge, 2013.
  6. Jonathan Herring: Criminal Law, The Basics, New York, Routledge, 1 Edition, 2010.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -