أخر الاخبار

مفهوم العقوبة: تعريف العقوبة, خصائص العقوبة, شخصية العقوبة, الهدف من العقوبة

شرح القانون الجنائي العام " قانون العقوبات " القسم العام:


تعريف العقوبة الجنائية:


" العقوبة الجنائية هي إيلام قسري مقصود، يحمل معنى اللوم الأخلاقي والاستهجان الاجتماعي، يستهدف أغراضاً أخلاقية ونفعية، محدد سلفاً، بناء على قانون، تنزله السلطة العامة في مواجهة الجميع، بحكم قضائي، على من تثبت مسئوليته عن الجريمة وبالقدر الذي يتناسب مع هذه الأخيرة ".



العقوبة الجنائية خصائص العقوبة العقوبة الجزائية مفهوم العقوبة في القانون مفهوم العقوبة PDF مفهوم العقوبة لغة واصطلاحاً العقوبة في الإسلام أنواع العقوبة
مفهوم العقوبة: تعريف العقوبة, خصائص العقوبة, شخصية العقوبة, الهدف من العقوبة



خصائص العقوبة الجنائية:


  1.  العقوبة الجنائية إيلام مقصود يكافئ إثم الجاني.
  2.  العقوبة الجنائية لا تقرر إلا بنص قانوني وفقاً لمبدأ شرعية العقوبة الجنائية.
  3.  العقوبة الجنائية لابد أن تكون واضحة في طبيعتها محددة في كمّها.
  4.  العقوبة الجنائية لابد أن تكون متناسبة مع الجريمة المرتكبة.
  5.  العقوبة الجنائية تعبر عن الرفض العام والاستهجان الاجتماعي للجرائم الجنائية.
  6.  العقوبة الجنائية تستهدف أغراضاً أخلاقية وأخرى نفعية.
  7.  العقوبة الجنائية تطبق على جميع الأفراد وفقاً لمبدأ المساواة.
  8.  العقوبة الجنائية شخصية لا تطبق إلا على شخص مرتكب الجريمة.
  9.  العقوبة الجنائية قضائية أي لا تطبقها إلا الجهات القضائية "المحاكم".
  10.  العقوبة الجنائية لابد أن تحترم الكرامة البشرية للمحكوم عليه وقواعد حقوق الإنسان.



وفيما يلي تفصيل لماهية العقوبة الجنائية وخصائصها وأهدافها



  • * مفهوم العقوبة الجنائية.
  • * خصائص العقوبة الجنائية. 
  • * أهداف العقوبة الجنائية.


أولاً: مفهوم العقوبة الجنائية:


تتعدد التعريفات الفقهية للعقوبة الجنائية وإن كانت تعبر جميعها عن مضمون متقارب في مبناه متحد في معناه، ونتعرض لأبرز التعريفات الفقهية للعقوبة الجنائية على النحو التالي:


من أفضل التعريفات للعقوبة الجنائية: هو مال قال به الأستاذ الدكتور/ أحمد عوض بلال من أن:


" العقوبة الجنائية هي إيلام قسري مقصود، يحمل معنى اللوم الأخلاقي والاستهجان الاجتماعي، يستهدف أغراضاً أخلاقية ونفعية، محدد سلفاً، بناء على قانون، تنزله السلطة العامة في مواجهة الجميع، بحكم قضائي، على من تثبت مسئوليته عن الجريمة وبالقدر الذي يتناسب مع هذه الأخيرة ".


ويقول الدكتور / محمود نجيب حسني في تعريف العقوبة الجنائية أن: " العقوبة إيلام وإيذاء لمن تنزل به، ويتحقق الإيلام عن طريق المساس بحق لمن توقع عليه. ويعني المساس بالحق الحرمان منه - كله أو جزء منه - أو فرض قيود عليه حين استعماله.


وتتنوع الحقوق التي يتصور أن يكون المساس بها هو صورة الإيلام، وبقدر أهمية الحق ودرجة المساس به تتحدد جسامة العقوبة الجنائية.


فقد تمس العقوبة الحق في الحياة فتتخذ صورة الإعدام؛ وقد تمس الحرية بالحرمان منها إطلاقاً فتتخذ صورة السجن المؤبد أو السجن المشدد أو السجن أو الحبس.


أو بمجرد فرض قيود على الحرية فتتخذ صورة مراقبة البوليس؛ وقد تمس المال فتتخذ صورة الغرامة أو المصادرة؛ وقد تمس حقوقاً أخرى متعددة كالحق في تولي الوظائف العامة أو الترشيح لعضوية المجالس النيابية ".


أما الدكتور/ عبد الفتاح مصطفى الصيفي فيرى أن:


" العقوبة الجنائية جزاء تقويمي، تنطوي على إيلام مقصود، تنزل بمرتكب جريمة ذي أهلية لتحملها، بناءً على حكم قضائي يستند إلى نص قانوني يحددها، ويترتب عليها إهدار حق لمرتكب الجريمة أو مصلحة له أو ينقصهما أو يعطل استعمالهما. 


ومن هذا التعريف للعقوبة الجنائية يتضح أنها تتحلل إلى: (1) كونها جزاءً تقويمياً، (2) ينطوي على إيلام مقصود، (3) وأنها شخصية، (4) وشرعية، (5) وقضائية، (6) وأنها لا توقع إلا على شخص ذي أهلية لتحملها.


ويلاحظ أن العنصر الأخير في هذا التحليل - وهو كون العقوبة الجنائية لا توقع إلا على ذي أهلية لتحملها - هو الذي يحدد مناط توقيع العقوبة، بمعنى أنه إذا كان مرتكب الفعل الذي يوصف بأنه جريمة شخصاً غير أهل لتحمل العقوبة الجنائية، فإنه يخضع لتدبير احترازي، لأن ما صدر عنه لا يعتبر جريمة.


ويقول الدكتور/ عبد الرؤوف مهدي في شأن العقوبة الجنائية أن: " العقوبة ألم ينزل بمرتكب الجريمة وهو ألم مقصود لذاته، ويتمثل هذا الألم في الحد من حرية مرتكب الجريمة في استعمال حق من حقوقه أو تقييده بقيود أو تجريده من هذا الحق كله أو بعضه تجريداً نهائياً أو مؤقتاً، مثل الحق في الحياة، والحق في سلامة البدن، والحق في حرية التنقل، والحق في العمل ".


ويترتب على أن الإيلام في العقوبة مقصود لذاته، أنه هو الذي يفرق العقوبة الجنائية عن غيرها من الجزاءات أو الإجراءات حتى الجنائية.


فالألم يوجد في بعض الإجراءات غير الجنائية مثل "التعويض" حتى لو حكم به القاضي الجنائي، لأنه يتضمن حرماناً من حق مالي أي اقتطاعاً من ثروة المحكوم عليه، إلا أنه ألم غير مقصود لذاته وإنما الغرض منه جبر الضرر الذي وقع بالمجني عليه أو بغيره.


وكذلك يوجد الألم في بعض الإجراءات الجنائية مثل القبض والحبس الاحتياطي ولكن يفرقه عن العقوبة أنه ألم غير مقصود لذاته وإنما مقصود به مصلحة التحقيق.


كما أن الإيلام المقصود هو الذي يميز العقوبة الجنائية عن التدبير الاحترازي؛ فالألم قد يوجد في التدبير كما لو تم احتجاز الشخص في مصحة مثلاً فيتألم لعدم السماح له بالخروج ولكنه ألم غير مقصود لذاته.


كما قرر كل من الدكتور/ يسر أنور علي، والدكتورة/ آمال عبد الرحيم عثمان في شأن العقوبة الجنائية أن:


" العقوبة هي الجزاء الجنائي الذي يفرضه المجتمع بواسطة هيئاته القضائية على مرتكبي الجرائم لردعهم وردع غيرهم بما تباشره العقوبة من تهديد وإرهاب في نفس المجرم وفي نفوس الكافة، ويطلق على الوظيفة الأولى للعقوبة الردع الخاص، كما يطلق على الثانية الردع العام. 



إذن فـ العقوبة الجنائية تستهدف مباشرة إيلام المجرم بقدر جسامة جرمه، فقد يكون الإيلام بدنياً مثل العقوبات البدنية، كما قد يكون معنوياً كالعقوبات السالبة والمقيدة للحرية، كما قد يكون الإيلام مادياً مثل العقوبات المالية.



كل ذلك بالإضافة إلى ما تحمله العقوبة من مساس بمكانة واعتبار المحكوم عليه - أي ألم نفسي - لما تعكسه من استياء واستهجان المجتمع لسلوك الجاني.



ثانياً: خصائص العقوبة الجنائية:


1- عنصر "الإيلام" في العقوبة الجنائية:



تتضمن العقوبة الجنائية بطبيعتها عنصر الإيلام، أي فرض معاناة من نوع أو آخر على المحكوم عليه، أو انتقاصاً بوجه أو بآخر من حق من حقوقه، أو تكبيده مشقة محددة تشعره بوطأة الأثر الذي يرتد إليه من جراء جريمته.



وتتعدد حقوق الفرد التي يتصور فرض الإيلام انتقاصاً منها، وتتعدد معها بالتبعية أنواع العقوبات؛ فكلما ارتفعت القيمة الاجتماعية لحق ما، كلما زاد قدر الإيلام الذي يفترض المشرع تحققه من المساس بهذا الحق، والعكس صحيح.



وخصيصة " الألم " ضرورية لكي تحقق العقوبة أغراضها في إرضاء الشعور العام بالعدالة الذي انتهكته الجريمة، وهي كذلك ضرورية لكي تحقق العقوبة الجنائية غرضها في إصلاح وتأهيل المحكوم عليه.



وتجدر الإشارة إلى أن المشرع يضع قدر الإيلام على المستوى التشريعي بطريقة مجردة، وفقاً لما يتبناه من معايير عامة في سياستي التجريم والعقاب، وعلى أساس ذلك يتم تكييف العقوبة الجنائية وتصنيفها بغض النظر عن درجة الإيلام التي يستشعرها كل محكوم عليه.



كما تجدر الإشارة إلى أن عنصر القصد في توقيع "الإيلام" وإن صاحب العقوبة الجنائية منذ ظهورها حتى الوقت الحالي؛ إلا أن طبيعته قد اختلفت مع تطور النظرة إلى أغراض العقوبة.



ففي البداية، حيث كان يرجى من العقوبة تحقيق أكبر قدر ممكن من الردع، وكان الجاني المحكوم عليه شخصاً منبوذاً محتقراً، كان الإيلام مقصود لذاته، باعتباره تعبيراً عن ذلك الاحتقار.



ومع ظهور أغراض أخرى للعقوبة، ظل الإيلام هو جوهر العقوبة أيضاً ولكن لم يعد مقصوداً لذاته، بل أصبح يرحى منه تحقيق أغراض نفعية أخرى، وهي إصلاح المحكوم عليه وتفادي عودته إلى طريق الجريمة مرة أخرى في المستقبل.



2- شرعية العقوبة الجنائية:



تخضع العقوبة الجنائية لقاعدة الشرعية أو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، حيث يجب أن تكون العقوبة الجنائية مقررة بنص في القانون. فكل عقوبة لم ينص عليها القانون تعتبر عقوبة غير مشروعة.



فالمشرع وحد هو الذي يقرر العقوبة من أجل فعل معين ويحدد نوعها ومقدارها، وليس للقاضي الجنائي أن يجاوز ما يرسمه الشارع من حدود لسطلته. فليس للقاضي أن يحكم بعقوبة لم ينص عليها القانون، أو يزيد أو ينقص من كم العقوبة المحددة بالقانون أو يغير من طبيعتها.



وبما أن العقوبة الجنائية لا يقررها سوى القانون؛ فلا يجوز أن تتقرر عقوبة جنائية بقرار جمهوري أو بقرار وزاري أو بما دون ذلك من قرارات إلا بناء على تفويض من القانون مع الالتزام بحدود هذا التفويض من القانون.



ويعد خضوع العقوبة الجنائية لمبدأ الشرعية أحد الضمانات الكبرى لحماية الحقوق والحريات في دولة القانون.



3- وضوح وتحديد العقوبة الجنائية:



من أهم خصائص العقوبة الجنائية أنها محددة سواء من حيث كيفها أو كمها: فيتعين على القاضي حينما ينطق بها أن يحدد نوعها ومقدارها.



وللمحكوم عليه حق قبل السلطات العامة ألا تدخل التغيير عليها، فلا تنفذ عليه عقوبة أشد مما حكم عليه به، ولا ترجئ الإفراج عنه إذا ما انقضى أجل عقوبته.



وتدعم صفة التحديد في العقوبة الجنائية اعتبارات عديدة: فهي تقاس بقدر جسامة ماديات الجريمة ومقدار ما صاحبها من خطيئة وإثم، وهذه الضوابط التي تنتمي إلى الماضي يسع القاضي استظهارها، فيكون قد توافر له كل ما هو مطلوب لتحديد العقوبة.



وبالإضافة إلى ذلك، فإن وظيفة العقوبة كجزاء وحساب عن الماضي تفترض تحديدها كي تكون بالقدر الذي يستحقه من تنزل به. وفي النهاية: فإن التحديد القضائي للعقوبة ضمان للمحكوم عليه من استبداد سلطات التنفيذ به.



4- التناسب بين العقوبة الجنائية والجريمة:



لـقد أصـبح من أدق واجـبات المـشرع الجـنائي، أن يـحدد العـقوبة الجنائية " المنـاسبة " للجريمة الجنائية، لاسيما وأن التحديد التشريعي للعقوبة يتم بالنظر إلى الوقائع المجردة، دونما أي تأثر بملابسات وقائع بعينها أو ظروف أشخاص بذواتهم.



في حين تعاظمت أهمية مبدأ التناسب في الدراسات العقابية إلى حد صيرورته أحد موجبات السياسة الجنائية الرشيدة، إذ كلما تناسبت العقوبة المقررة مع الجرم المرتكب، كلما زاد ذلك من القيمة الإقناعية للقاعدة الجنائية بما يكفل تحقيقها لوظيفة الردع المرجوة منها.



ومن هنا؛ يلتزم المشرع عندما يختار الجزاء للفعل الذي جرَّمه، بأن يقيم الموازين القسط بين أمور عدة، حتى يحقق التناسب المنشود بين الجريمة والعقوبة الجنائية.



حيث ينصرف التناسب هنا بين محل النص العقابي وسببه، ومقتضى ذلك ألا يغلو المشرع في العقاب، ولا يركب متن الشطط في تقديره، وإنما عليه أن يتخير من العقوبات ما يكون على وجه اللزوم ضرورياً لمواجهة الجريمة، وما يترتب على ارتكابها من آثار، وما يحقق بها الردع للجاني، وزجر غيره ممن تسول له نفسه القيام بذات فعله.



وكل تجاوز يقع من المشرع في مجال تقدير العقوبات لهذا الضابط يعد تزيداً، واستبداداً ينبغي رفعه.



حيث أصبح التزام المشرع بتحقيق هذا التناسب في العقوبة الجنائية، أصلاً من الأصول الدستورية الجنائية يقيد سلطة المشرع في تحديد العقوبات، بعد أن ظل حيناً من الدهر يستأثر بسلطة واسعة في تقديرها دون أي رقيب في هذا الشأن.



حيث كان للمشرع وحده تقدير الضرورة العقابية، والمعقولية الجزائية دون أن يخضع في ذلك لأي رقابة دستورية، بدعوى أن ذلك يعد من الملائمات التشريعية التي يستأثر بها المشرع دون غيره.



5- العقوبة الجنائية تعبر عن اللوم الأخلاقي والاستهجان الاجتماعي:



تتميز العقوبة الجنائية بأن اختيارها كرد فعل اجتماعي تجاه مرتكب الجريمة يكشف عن تقييم أخلاقي للسلوك الإجرامي الذي استتبعها: فالمجتمع يعبر - بما يضمنه العقوبة من إيلام مقصود - عن لوم واستهجان لذلك السلوك.



تأسيساً على أن الجاني قد وجه إرادته توجيهاً خاطئاً إزاء القيمة الاجتماعية التي تحميها القاعدة الجنائية؛ إما بإظهار عداء صريح مباشر تجاهها، وإما بالكشف بمسلكه عن عدم اكتراثه بها. وهكذا، تفترض العقوبة الجنائية بالضرورة " تخطئة " لموقف الجاني وإظهاره أمام الجمهور كشخص جدير بالاستهجان العام.



ولكن لا يجوز أن يترك تحديد مقدار هذا " الاستهجان الاجتماعي " وأثره المتمثل في العقوبة الجنائية رهينة لعواطف الجماهير وانفعالها.



وإنما ينبغي أن ينظمه القانون فيحصره أثناء التنفيذ العقابي في النطاق الذي لا يهدر الكرامة الإنسانية للمحكوم عليه، ويجتهد في استبعاده حينما ينقضي التنفيذ كي يتمكن المفرج عنه من إعادة بناء حياته واسترداد مكانته في المجتمع.



6- استهداف العقوبة الجنائية أغراضاً أخلاقية ونفعية:



تتجه العقوبة الجنائية إلى تحقيق أغراض أخلاقية وأخرى نفعية، وبشكل عام؛ فإن العقوبة الجنائية في دولة القانون ترمي إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي: الردع أو "الزجر" وتحقيق العدالة وإصلاح المحكوم عليه وتقويمه.



تهدف العقوبة الجنائية إلى تحقيق الردع وهذا الهدف هو الذي قاد المشرع إلى تقرير عقوبات شديدة على الجرائم التي تسبب أضراراً اجتماعية كبيرة واهتماماً في نظر الرأي العام، مثل القتل والحريق والسرقة بالإكراه.



ويعني الردع تحقيق الخشية في النفوس من العقوبة الجنائية، وهو إما ردع خاص يتعلق بالجاني نفسه مرتكب الجريمة ويهدف إلى منع الجاني من العودة إلى ارتكاب الجرائم في المستقبل خوفاً من أن يعاد عقابه وينزل به من الألم ما سبق أن أنزل به بمناسبة ارتكاب الجريمة الأولى.



وإما ردع عام يرمي إلى إيجاد الخشية في نفوس كافة الأفراد من ارتكاب الجريمة تجنباً لتطبيق العقوبات الجنائية عليهم أي منع الآخرين من تقليد مرتكب الجريمة.



كذلك تهدف العقوبة الجنائية أساساً إلى تحقيق العدالة: فالعقوبة هي عدل الجريمة أو مقابلها، فالعدالة ترضي الشعور الساخط من المجتمع على مرتكب الجريمة، وترضي شعور المجني عليه فلا يفكر في الانتقام بنفسه ممن اعتدى عليه أو على حق من حقوقه.



فالعقوبة ضرورية باعتبارها جزاء الخطأ المرتكب، ولذلك؛ فإن مرضى العقول وصغار السن وعديمي التمييز لا يتم توقيع العقوبة عليهم، ومن هنا، جاءت ضرورة الركن المعنوي للجريمة، ومبدأ لا مسئولية جنائية بدون خطأ.



ومن أهداف العقوبة الجنائية الحديثة أيضاً: إصلاح الجاني وتقويمه وإعادة تأهيله وتهذيب سلوكه ليعود إلى المجتمع كمواطن صالح لا يسلك سبل الإجرام.



فالعقاب الذي لا يهتم بإصلاح الجناة يكون عملاً غير إنساني، وقد أخذ مبدأ تفريد العقاب مكاناً بارزاً في النظم الجنائية الحديثة من هذا المنطلق.



7- مبدأ المساواة أمام العقوبة الجنائية:



وفي مجال الجزاء الجنائي؛ يعني مبدأ المساواة: أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات الجنائية تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم.



فإذا قرر القانون العقوبة الجنائية من أجل جريمة ما، فإن هذه العقوبة توقع على كل من يرتكب هذه الجريمة.



فلا يمكن تحقيق أهداف العقوبة فعلياً دون تبني التشريع الجنائي لمبدأ المساواة على المستوى النظري والتطبيقي في العقوبة والحماية الجنائية، وتجسيد المساواة التامة بين الناس أمام القانون.



وهذه المساواة هي مساواة أمام القانون فحسب، أي مساواة في الخضوع لنص القانون واستحقاق العقوبة التي يقررها، ولكنها لا تعني التزام القاضي بأن يحكم بذات العقوبة على جميع من يرتكبون جريمة معينة.



حيث أن القاضي سلطة تقديرية تتيح له أن يحدد لكل مجرم العقوبة الجنائية التي يرى أنها تناسب ظروفه.



ومن ثم؛ فإن كل ما يعنيه مبدأ المساواة أن ذات النص - بما يقرره من العقوبة الجنائية  موضوعة بين حد أدنى وحد أقصى وخاضعة في تطبيقها لقواعد قانونية معينة - يطبَّق على جميع من يخالفونه.



ولا يحول هذا المبدأ دون أن تتفاوت حظوظهم بالنظر إلى تفاوت ظروفهم تفاوتاً لا يخرج عن الحدود المرسومة في ذلك النص، وفقاً لمقتضيات مبدأ تفريد العقاب التي قد تدفع القـاضي الجنائي إلى الحكم بعقوبات متفاوتة - بين الـحدين الأدنـى والأقـصى الـمقررين للجريمة - على مرتكبي ذات الفعل.


بل ان استعمال هذه السلطة من القاضي الجنائي يؤكد تحقيق مبدأ المساواة في العقوبة.


كما قد تختلف قواعد التنفيذ العقابي بشأن المحكوم عليهم تبعاً لظروف كل حالة على حدة رغم وحدة الجريمة.


ولا يطعن ذلك في مبدأ المساواة لأنه يطبق بالنظر إلى نصوص القانون بعموميتها وتجريدها وخلوها من التمييز أو الاتجاه نحو طوائف معينة من الناس، وبمقتضى السلطة التقديرية التي يمنحها المشرع للقاضي الجنائي.



8- قضائية العقوبة الجنائية:



أصبح من السمات الرئيسية لـ العقوبة الجنائية - ومن ضماناتها في الوقت ذاته - أنها لا توقع إلا بناء على حـكم قـضائي يثبت مسئولية الجاني عن الجريمة، ويحدد قدر العقاب المقرر بشأنها، ويكون الـسند الـقانوني للـتنفيذ الـعـقابي فيما بعد لاقتـضاء حـق الدولة في العقاب.



كما يؤكد الفقه الجنائي على الطبيعة القضائية للتدابير الاحترازية، ولا يغير من هذه الطبيعة أن المشرع قد يصف أحياناً التدابير بكونها إجراءات إدارية، ذلك أن وصف المشرع لا يغير حقيقة الأشياء.



وتثق الدولة في المجتمعات الحديثة بالقاضي الجنائي، لكونه الشخص الوحيد الذي يوثق في حرصه على الحريات والعدالة، وابتعاده عن الأهواء السياسية والتحكم الإداري.



وتفسر هذه الثقة بأمور ثلاثة: العلم بالقانون، والخبرة بالعمل القضائي، والاستقلال الذي ترتبط به النزاهة. ومن ثم يجب أن يستبعد كل اتجاه إلى توقيع العقوبة الجنائية عن طريق الإدارة أو الفنيين أو المحلفين، إذ لا تتوافر لأي منهم ما يتوافر للقاضي من أسباب للثقة به.



وتكشف قاعدة أنه (لا عقوبة بغير حكم قضائي) عن مدى التلازم بين المحاكمة المنصفة، وشرعية الجرائم والعقوبات.



فوفقاً لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات؛ لا جريمة ولا عقوبة ما لم تكن بناء على قانون. ولما كان القاضي هو المنوط به وحده تطبيق القانون وتأكيد فاعليته، فإنه بناء على ذلك، لا توقع العقوبة الجنائية بغير حكم قضائي.



ولا شك أن مبدأ قضائية العقوبة الجنائية يمثل ضمانة هامة لحماية لحقوق والحريات الفردية، وضرورة تفرضها مصلحة المجتمع.



فالمتهم يتاح له المثول أمام القضاء الذي يفترض فيه النزاهة ويرجى منه الحيادية، ليتمكن من الدفاع عن نفسه واستظهار أي دوافع أو مؤثرات صاحبت ارتكابه للجريمة، أو أي ظلم واقع عليه.



كما يتجنب أن تجمع النيابة العامة في يدها بين سلطتي الاتهام والتحقيق. بالإضافة إلى أن مبدأ قضائية العقوبة الجنائية يضمن سلامة الإجراءات التي تسبق المحاكمة الجنائية.



9- شخصية العقوبة الجنائية:



ومضمون مبدأ شخصية العقوبة الجنائية هو ألا يتم توقيع العقوبة الجنائية إلا على شخص الجاني. فسواء تمثَّلت العقوبة في إهدار لحق أو لمال أو لمصلحة للجاني، أو في مجرد إنقاص لأي من هذه، فيشترط في محلها أن يكون خاصاً بالجاني وحده.



كما يتعلق الطابع الشخصي للعقوبة بالنظام العام: فهو ليس مقرراً لصالح الأفراد حتى يسمح لهم بالاتفاق على مخالفته، ومن ثم لا يجوز لشخص أن يحل مكان من تقررت إدانته لكي تنفذ العقوبة فيه بدلاً منه، مهما بدت العلاقة قوية بينهما.



وغني عن البيان؛ أن مبدأ الشخصية يسري من باب أولى على الصورة الأخرى للجزاء الجنائي وهي التدابير الاحترازية، إذ لا يتصور أن يوجه أي تدبير وقائي إلى غير الشخص الذي توافرت لديه حالة الخطورة الإجرامية.



على الرغم من اتساق مبدأ شخصية العقوبة الجنائية مع المنطق العقلي السليم، وكونه أصلاً من أصول قانون العقوبات الحديث تفرضه قاعدة عدالة العقوبة؛ إلا أنه لم يكن من المبادئ الراسخة في تاريخ القانون الجنائي.



فلم يُكرَّس المبدأ تشريعياً إلا منذ عهد قريب، ففي الشرائع القديمة كان للعقوبة أثرٌ ممتدٌ يصيب الجاني نفسه وأفراد أسرته.



ففي ظل القانون الفرنسي القديم، وحتى قيام الثورة الفرنسية، كانت عقوبة جريمة التآمر ضد الملك أو الحكومة هي الإعدام والمصادرة لأموال المتآمر وأفراد أسرته ونفيهم خارج البلاد، وهو ما تحقق فعلياً في عهد الملك هنري عام 1610 عندما اغتيل من أحد رعاياه يدعى " رافيال ".



وكان الحال كذلك في التشريع المصري في فترة سريان قانون المنتجات وقبل الإصلاح القضائي عام 1883، حيث كان العقاب يمتد بالإضافة لفاعل الجريمة إلى شيخه أو القائم مقامه.



10- إنسانية العقوبة الجنائية:



يأتي في نهاية ضمانات العقوبة الجنائية مبدأ إنسانية العقوبة الجنائية، والذي يعني: ضرورة احترام الكرامة البشرية والطبيعة الإنسانية للمحكوم عليه، وعدم تجاوز قواعد حقوق الإنسان التي اعتنقتها الدول المتحضرة عند توقيع الجزاء الجنائي على المحكوم عليه.



فعلى الرغم من إجرامه (يقصد الجاني المحكوم عليه) إلا أنه لم يتجرد من صفتي الإنسان والمواطن. ومن ثم؛ يجب الاعتراف له بالحقوق المرتبطة بهاتين الصفتين، عدا ذلك القدر الذي تسلبه العقوبة إياه.



وأهمية هذه الضمانة أن تحقيق غرض العقوبة في تأهيل المحكوم عليه وإعداده لاسترداد مكانته في المجتمع يقتضي تدعيم اعتداده بنفسه لكي يرسخ في عقيدته أن الإجرام سلوك غير لائق به فيكف عنه، ولن يأتي ذلك إلا باحترام كرامته.


شاهد أيضاً: مجموعة مبادئ العقوبة الجنائية:


مبدأ شخصية العقوبة الجنائية.


مبدأ قضائية العقوبة الجنائية.


مبدأ شرعية العقوبة الجنائية.


مبدأ إنسانية العقوبة الجنائية.



واحة القانون

LAW OASIS








حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-