أخر الاخبار

وسائل الرقابة القضائية على دستورية القوانين و الدعوى الدستورية الفردية

 وسائل تحريك الدعوى الدستورية:


نظَّم المشرع الدستوري آليات الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح بحيث لا يتم البحث في دستورية أي نص في قانون أو لائحة في النظام المصري إلا من خلال ثلاث وسائل مقررة - بمقتضى قانون المحكمة الدستورية العليا - على سبيل الحصر وهي:


  1. الدفع بعد الدستورية.
  2. الإحالة من محكمة الموضوع.
  3. التصدي من جانب المحكمة الدستورية العليا.

وهو ما يقودنا لبيان مضمون كل وسيلة من الوسائل السابقة باختصار على النحو التالي:


الرقابة على دستورية القوانين واللوائح
وسائل الرقابة القضائية على دستورية القوانين و الدعوى الدستورية الفردية


الدفع بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة:


الوسيلة الأولى: هي " الدفع بعدم الدستورية "، وهي الوسيلة الرئيسية للطعن في دستورية القوانين، والأكثر استخداماً في الواقع العملي، وتفترض هذه الوسيلة وجود دعوى قضائية أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، فيدفع أحد الخصوم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة يراد تطبيقه عليه.


وعلى محكمة الموضوع في هذه الحالة أن تبحث مدى جدية الدفع، فإذا ما تحققت من جديته، فعليها أن تؤجل نظر الدعوى المطروحة أمامها، وتحدد ميعاداً للخصوم لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى الدستورية، فإذا لم ترفع الدعوى الدستورية في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.


ما المقصود بجدية الدفع بعدم الدستورية؟


ويقصد بجدية الدفع أن يتحقق القاضي من أن الدفع لا يقصد منه الكيد أو إطالة أمد التقاضي، فتتحقق الجدية بأن يكون لصاحب الدفع مصلحة مباشرة في تقرير عدم دستورية النص المطعون عليه واستبعاد تطبيقه على النزاع الأصلي الخاص به، وأن تكون هناك شبهة عدم دستورية حقيقية تستشعرها المحكمة بشأن هذا النص.


ويتعين على محكمة الموضوع أن تلتزم قضاءها بتقدير جدية الدفع، وأن تتربص قضاء المحكمة الدستورية العليا، وإلا كان ذلك نكولاً من جانبها عن التقيد بنص المادة (192) من الدستور.


كما تقضي المحكمة الدستورية العليا من تلقاء ذاتها وقبل الخوض في موضوع الدعوى بعدم القبول، إذا تم رفع الدعوى بعد مضي مدة الثلاث أشهر المذكورة.


كما تتمسك المحكمة الدستورية العليا بشرط المصلحة لدى المدعي في الدعوى الدستورية، وتشترط استمرار وجود تلك المصلحة أثناء نظر الدعوى الدستورية وحتى صدور الحكم فيها.


إذن: ما المقصود بشرط المصلحة في الدعوى الدستورية؟


يعني شرط المصلحة في الدعوى الدستورية:

" أن تتوافر ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة القائمة في النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على هذه المحكمة، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع."


وسيلة " الإحالة " لتحريك الدعوى الدستورية:


والوســيلة الثـانية لتـحريك الـرقـابة عـلى دســتورية الـقـوانين هي: " الإحالة من محـكمة الـموضوع "، ومؤداها أن المشرع قد أعطى الحق لقاضي الموضوع في أن يلجأ إلى المحكمة الدستورية العليا كلما رأى نصاً ما في قانون أو لائحة مخالفاً للدستور.


وذلك إذا كان هذا النص لازماً للفصل في الدعوى المنظورة أمامه، واستشعر القاضي وجود شبهة مخالفة هذا النص لأحكام الدستور، وذلك بصرف النظر عن مصالح الخصوم في الدعوى الموضوعية إذ قد لا ينتبه أي منهم إلى الطعن في دستورية هذا القانون أو تلك اللائحة.


وسيلة " التصدي " من القضاء الدستوري لبحث الدستورية:


أما الوسيلة الثالثة والأخيرة فهي: " التصدي" من المحكمة الدستورية ذاتها لدستورية القوانين، بناء على نص المادة (27) من قانون المحكمة، الذي قرر أنه:

" يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها، ويتصل بالنزاع المعروض عليها وذلك بعد اتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية ".


وهي وسيلة جوازية للمحكمة لا يمكن إجبارها على اللجوء إليها مهما بدت الحاجة إليها.

وتجدر الإشارة إلى أن دور وسيلتي الإحالة والتصدي في الرقابة على دستورية القوانين       - وفقاً لما اسفرت عنه الممارسات العملية - محدود الاستخدام والأثر، لتبقى وسيلة الدفع بعدم الدستورية هي الوسيلة الرئيسية للطعن على دستورية القوانين في النظام الدستوري المصري.


وتتمسك المحكمة الدستورية العليا بضرورة وصول الدعاوى الدستورية إلى ساحتها من خلال الوسائل السابقة على سبيل الحصر، فتواترت أحكامها على القضاء بعدم قبول الدعوى الدستورية إذا ما رفعت من قبل الأفراد بطريقة مباشرة.


في حين ذهبت العديد من الآراء الفقهية إلى القول بعدم كفاية الوسائل التقليدية في رقابة دستورية القوانين - منظوراً إليها من زاوية حماية الحقوق والحريات الفردية - في تنقية النظام القانوني من مخالفات الدستور.


لاسيما؛ وأن المادة (25) من مشروع قانون المحكمة الدستورية العليا كانت تنص على أنه:    " يجوز لكل ذي مصلحة شخصية ومباشرة أن يطعن لدى المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة ". إلا أن هذه المادة لم يكتب لها البقاء في الصيغة النهائية لقانون المحكمة الدستورية العليا.


الطعن بعدم الدستورية
الدعوى الدستورية


الدعوى الدستورية الفردية:


وقد عمدت الكثير من الأنظمة الدستورية إلى منح الأفراد الحق في اللجوء مباشرة إلى المحكمة الدستورية بدعاوى مباشرة ضد أعمال السلطة العامة من تشريعات وقرارات بل وأحكام قضائية نهائية.


وذلك دونما اشتراط وجود نزاع أصلي مطروح أمام القضاء العادي، إن خالفت أعمال السلطة العامة ضمانات الحقوق والحريات المكفولة دستورياً، وذلك وفق ضوابط معينة، فيما يعرف بـ " الدعوى الدستورية الفردية ".


ويقصد بالدعوى الدستورية الفردية:

تلك المكنة الدستورية التي يمنحها الدستور للأشخاص ذوي الصفة الطبيعية والمعنوية، والتي بمقتضاها يستطيع ذوو المصلحة من الأفراد أو غيرهم، اللجوء مباشرة إلى المحكمة الدستورية بدعوى يتضرر فيها من التصرفات والأعمال الصادرة عن السلطات العامة.


والتي تمثل انتهاكاً لحقوقه الأساسية ملتمساً منها التدخل من أجل حماية حقه أو حريته التي تم انتهاكها، سواء من جراء إصدار تشريع، أو عمل قانوني من قبل السلطة التنفيذية، أو عمل قضائي شريطة استنفاذ كافة طرق التقاضي العادية أو غير العادية.


ومن أبرز الدول التي عرفت هذا النوع من الدعاوى ألمانيا وسويسرا وبلجيكا والنمسا وأسبانيا وغيرها الكثير.


ويؤيد سيادة الأستاذ الدكتور/ أحمد فتحي سرور، فكرة الطعن المباشر لبحث دستورية النصوص القانونية، ولكن بقيود وفي حدود معينة، حيث لا يجب أن ترفع الدعوى المباشرة من الأفراد بعدم دستورية نص تشريعي، وإلا فإن المحكمة الدستورية العليا ستحتاج إلى عدد كبير من الدوائر.


إنما يمكن أن يتم رفع دعوى بعدم دستورية التشريع من خلال الطعن بإعادة النظر في الأحكام الباتة سواء في القضاء العام أو القضاء الإداري، إذا كان هذا الحكم مبنياً على نص غير دستوري.

وبشرط أن توجد دائرة فحص طعون لتنقية هذه الدعاوى، مع فرض رسوم عالية عند رفعها وتصادر هذه الرسوم عند الحكم بعدم قبول الدعوى.


رقابة الامتناع التشريعي (الإغفال التشريعي):


بل وعرفت بعض الأنظمة الدستورية الرقابة على حالة الامتناع التشريعي من جانب المشرع عن تنفيذ ما يقضي به الدستور من أحكام تتعلق بالحقوق والحريات.


ومن ذلك؛ النظام الدستوري الاسباني sistema constitucional español حيث قررت المادة (7/1) من القانون الأساسي للمحكمة الدستورية الإسبانية إمكانية تحريك الدعوى الدستورية إذا تباطأ المشرع في التدخل لإصدار قانون ينظم الحقوق والحريات.


وفي النظام الدستوري الألماني :Deutsches Verfassungssystem

يحق للأفراد رفع دعوى أمام المحكمة الدستورية الاتحادية بغية إلزام السلطة التشريعية بإصدار قانون معين لوضع نص من نصوص الدستور موضع التنفيذ، إذا كان هذا النص الدستوري يلزم المشرع بإصدار قانون ينظم ممارسة الأفراد لحق من الحقوق.


ولا شك أن الرقابة على دستورية الامتناع التشريعي عن تنفيذ أحكام الدستور في تلك الأنظمة يعد ضمانة قوية جداً لحماية الحقوق والحريات، نأمل أن نراها في النظام الدستوري المصري.


المصادر:


أولاً: المراجع الفقهية:

  1. د/ رمزي طه الشاعر، رقابة دستورية القوانين "دراسة مقارنة"، القاهرة، دار التيسير للطباعة والنشر، 2004، ص389،388.
  2. د/ عبد العزيز محمد سالمان، ضوابط وقيود الرقابة الدستورية، الإسكندرية، منشأة المعارف، الطبعة الأولى، 2011.
  3. د/ يحي الجمل، رقابة دستورية القوانين " دراسة مقارنة "، القاهرة، دار النهضة العربية، 2007.
  4. د/ علي حسن نجيدة، الرقابة على دستورية القوانين " دراسة في مبادئ القانون "، القاهرة، دار الفكر العربي، 1988.
  5. د/ أحمد فتحي سرور، الرقابة الدستورية على القوانين، مجلة هيئة قضايا الدولة، السنة 43، العدد الأول، يناير/مارس 1999.
  6. د/ سعد عصفور، النظام الدستورى المصري، القاهرة، دار المعارف، 1980.
  7. د/ رفعت عيد سيد، الوجيز في الدعوى الدستورية، القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2004.
  8. د/ عبد العزيز محمد إبراهيم، الدعوى الدستورية الفردية لحماية الحقوق والحريات الأساسية، القاهرة، دار الحكمة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2016.

ثانياً: أحكام المحكمة الدستورية العليا:

  1. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 222 لسنة 36 قضائية دستورية، جلسة 4/3/2017، الجريدة الرسمية، العدد 10 مكرر، الصادر في 12 مارس لعام 2017.
  2. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 68 لسنة 22 قضائية دستورية، جلسة 7/4/2018، الجريدة الرسمية، العدد 15 مكرر (و)، الصادر في 16 أبريل لعام 2018.
  3. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 38 لسنة 40 قضائية دستورية، جلسة 4/1/2020، الجريدة الرسمية، العدد 2 مكرر (أ)، الصادر في 13 يناير لعام 2020.
  4. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 110 لسنة 37 قضائية دستورية، جلسة 7/12/2019، الجريدة الرسمية، العدد 49 مكرر (ط)، الصادر في 11 ديسمبر لعام 2019.
  5. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 51 لسنة 32 قضائية دستورية، جلسة 1/6/2019، الجريدة الرسمية، العدد 23 مكرر (ز)، الصادر في 12 يونية لعام 2019.
  6. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 101 لسنة 35 قضائية دستورية، جلسة 4/5/2019، الجريدة الرسمية، العدد 19، الصادر في 12 مايو لعام 2019.
  7. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 12 لسنة 26 قضائية دستورية، جلسة 5/1/2019، الجريدة الرسمية، العدد 2 مكرر (ب)، الصادر في 16 يناير لعام 2019.
  8. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 11 لسنة 23 قضائية دستورية، جلسة 5/5/2018، الجريدة الرسمية، العدد 19 مكرر (ب)، الصادر في 13 مايو لعام 2018.
  9. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 90 لسنة 33 قضائية دستورية، جلسة 14/1/2017، الجريدة الرسمية، العدد 3 مكرر (ه)، الصادر في 24 يناير لعام 2017.
  10. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 103 لسنة 28 قضائية دستورية، جلسة 6/4/2008، الجريدة الرسمية، العدد 16 مكرر (أ)، الصادر في 21 أبريل لعام 2008.

 

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -