القائمة الرئيسية

الصفحات

التجريم الجنائي. إنشاء الجرائم الجنائية وتحديد عقوباتها


تحت مظلة النظام الاجتماعي السائد بكل معطياته، يتولى المشرع الجنائي وضع التجريم الجنائي مقرراً الحماية الجنائية للمصالح الاجتماعية والفردية على تنوعها، وفقاً للسياسة الجنائية التي يتبناها.


حيث لا يتناقض الالتزام الدستوري للقانون الجنائي مع تطويره وفق مبادئ علم الإجرام أو النتائج العملية لتطبيق النصوص الجنائية.



التجريم الجنائي. إنشاء الجرائم الجنائية وتحديد عقوباتها
التجريم الجنائي. إنشاء الجرائم الجنائية وتحديد عقوباتها




التجريم الجنائي مرتبط بوجود الإنسان:


نشأة التجريم الجنائي: عرف المجتمع الإنساني منذ نشأته أفعالاً أطلق عليها وصف الجرائم، فمثل هذه الأفعال دخلت منذ وقت بعيد إلى دائرة الاهتمام العام، فالقانون الجنائي قديم قدم الإنسان، وهو بغير شك أقدم فروع القانون.


ويمكن تعريف الجريمة الجنائية في عبارة موجزة بأنها: " فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدبيراً احترازياً ". ولذلك فإن التجريم الجنائي مرتبط بوجود الإنسان على الأرض، ومقترن بطبيعته الجانحة دائماً صوب الخطيئة.


التجريم الجنائي يضفي الصفة غير المشروعة على الأفعال:


التجريم الجنائي هو مصدر عدم المشروعية في القانون الجنائي وفقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لذا؛ فالجريمة مخلوق قانوني ليس إلا. والفعل أو الامتناع في ذاته ليس فيه خصائص ذاتية ثابتة تخلع عليه وصف الجريمة دائماً أو تبعد عنه هذا الوصف دائماً.


وإنما الأمر نسبي أو تقديري: فما كان مباحاً يمكن أن يصبح مجرماً بنص، رغم أن الفعل أو الامتناع في ذاته لم يتغير. وما كان مُجَرَّماً يمكن أن يصبح اليوم فعلا مباحاً، رغم أن شيئاً من مكونات الفعل لم يتغير.


التجريم الجنائي يعبر عن النظام الاجتماعي:


التجريم الجنائي والعقاب هو مرآة الحضارة، فتحديد ما هو مقبول وما هو مرذول من مظاهر سلوك الأفراد مقترن بطبيعة النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي السائد في الدولة، ومدى ما وصلت إليه من اعتناق مبادئ الحرية والديمقراطية نظرياً وعملياً. فمدلول الفعل المجرم يتباين بحسب الزمان والمكان وطبيعة النظام الاجتماعي.


ومن هنا؛ فإن فكرة التجريم الجنائي فكرة نسبية متغيرة تستعصي على الجمود والثبات، وبالتالي تستعصي على التحديد الدائم. ولكن يمكن القول دائماً أن الفعل المجرَّم يجب أن يتصف بأنه " ضار" بالحقوق الشخصية أو المصالح الاجتماعية.


التجريم الجنائي نسبي وقابل للتغيير والتعديل:


وقد تطال هذه النسبية أيضاً بعض الأفعال المحكومة بنصوص للتجريم والعقاب سارية المفعول، إذ قد يكشف التطبيق العملي لتلك النصوص عن خلل في معالجة المشرع الجنائي لبعض الموضوعات الجنائية، فيتضح أن التجريم الجنائي على صورته الحالية لم يكن في وضعه الأمثل، ولم يؤت ثماره، فيتدخل المشرع الجنائي بتوسيع دائرة التجريم الجنائي لتشمل أفعال جديدة يسبغ عليها وصف التجريم، أو تغليظ العقوبة الجنائية المقررة للفعل المؤثم.


كما قد يتراءى للمشرع الجنائي أنه ذهب - في سبيل حماية حق أو مصلحة ما - إلى أبعد مما ينبغي، فيرتد بالتجريم الجنائي حفاظاً على حقوق أخرى في مقدمتها أن الأصل في الأشياء الإباحة والاستثناء هو التجريم، وحفاظاً على التناسب في نطاق التجريم الجنائي، والتناسب بين هذا الأخير والجزاء المقرر من أجله.


التجريم الجنائي يختص به المشرع:


وتحت مظلة النظام الاجتماعي السائد بكل معطياته، يتولى المشرع الجنائي وضع التجريم الجنائي مقرراً الحماية الجنائية للمصالح الاجتماعية والفردية على تنوعها، وفقاً للسياسة الجنائية التي يتبناها، حيث لا يتناقض الالتزام الدستوري للقانون الجنائي مع تطويره وفق مبادئ علم الإجرام أو النتائج العملية لتطبيق النصوص الجنائية.


قد يكون منع التجريم والعقاب أي " الحد من التجريم " هو الوسيلة القانونية المناسبة لحماية حق من الحقوق، وقد يكون " الحض على التجريم " هو الوسيلة الواجبة للحماية، مع ما قد يترتب على ذلك من ارتفاع العدد الإجمالي للجرائم، الذي سوف يزيد بزيادة الانتهاكات التي ترد على القوانين الجديدة.


ويقدر المشرع الجنائي جميع الاعتبارات السابقة وهو بصدد التدخل بالتنظيم التشريعي لمسألة ما، وإقرار التجريم الجنائي وفقاً لسلطته التقديرية، والتي تعني المفاضلة بين البدائل المتنوعة المتاحة أمام المشرع لمواجهة مشكلة ما، واختيار أنسبها لإيجاد حل لهذه المشكلة وتحقيق غرض التشريع الذي يجب أن ينصرف دائماً إلى تحقيق المصلحة العامة.


التجريم الجنائي يقوم على سياسة جنائية متوازنة واحترام حقوق الإنسان:


التجريم الجنائي لابد وأن يحترم حقوق الإنسان، فالمشرع في تنظيمه للعلاقات الاجتماعية يجب أن يراعي دائماً أن الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر، وأنه لا يمكن تحقيق الحماية الاجتماعية إلا من خلال حماية الإنسان (أي حقوقه وحرياته).


وحماية الإنسان تكون إما بالنظر إليه بوصفه مجنياً عليه أو بوصفه متهماً. وبناء على ذلك، لا يجوز أن نتصور صداماً بين مقتضيات الحماية الاجتماعية وبين متطلبات الحماية الإنسانية أي حماية الحقوق والحريات.


وبشكل عام يجب أن تقدم السياسة الجنائية للمشرع معياراً معتدلاً للتجريم الجنائي، يعبر عن ديمقراطية الدولة واتزان منهج المشرع، لأن اختلال معيار التجريم يعني أن القانون لم يعد يعبر عن القيم السائدة في المجتمع تعبيراً صحيحاً، كما سيؤدي حتماً إلى إنكار مبادئ وأحكام الدستور. 


فالتشدد التشريعي من جانب الدولة وتدخلها بالتجريم الجنائي والعقاب على أفعال لا تستحق هذا التشدد، أو الخلل في التعادل بين الجزاء ودرجة الإذناب لدى مقترف الجريمة، إنما يعبر عن بطش الدولة واستبدادها، وخلق حالة من عدم الثقة بين الحكام والمحكومين، وتزكية الشعور بالظلم الاجتماعي لدى المخاطبين بأحكام القانون.


وعلى الجانب الآخر، فإن التراخي التشريعي في معالجة مشكلات المجتمع بحسم وقوة، يفقد ثقة الأفراد في المنظومة التشريعية وفي قدرتها على صون حقوقهم والدفاع عن مصالحهم الجديرة بالحماية، وينمي روح الانتقام الفردي لدى كل من يظن أنه صاحب حق أو معتدى عليه.


التجريم الجنائي يلتزم حدود الدستور:


وجدير بالذكر، أن تلك النسبية التي تلحق بالتجريم الجنائي تتوقف أمام نصوص الدستور القائم من وجهتين: الأولى؛ هي حالات التجريم الدستوري، أي الحالات التي تتكفل فيها نصوص الدستور بالتجريم الجنائي في بعض المجالات، ففي مثل هذه الحالات لا يملك المشرع الجنائي إلا الامتثال لأمر الدستور بوضع التجريم الدستوري في قالب قانوني مكتمل الأركان.


أما الوجهة الثانية؛ فتتمثل في ضرورة خضوع التجريم الجنائي لأحكام الدستور التي تقرر أسباباً للإباحة ومجموعة من الحقوق والحريات الفردية التي لا يجب أن يتعرض لها المشرع الجنائي بالتجريم.