أخر الاخبار

قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم في القانون الجنائي

قاعدة رجعية القانون الجنائي الأصلح للمتهم:

مقدمة:

إذا كان الأصل العام هو عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب، فإن هذا الأصل ليس مطلقاً، فهناك مبدأ آخر يتكامل مع مبدأ عدم الرجعية، تحقيقاً لتطبيق أكثر تناسقاً لـ مبدأ الشرعية الجنائية، توجبه اعتبارات العدالة ويفرضه المنطق القانوني السليم، وهو مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم.


متى يكون القانون الجديد أصلح للمتهم؟ هل يجوز تطبيق القانون بأثر رجعي؟ ما هو مبدأ عدم رجعية القوانين؟ ما هي الاستثناءات الواردة على مبدا عدم رجعية القوانين؟
رجعية القانون الأصلح للمتهم


ويقضي هذا المبدأ بأنه إذا صدر قانون جديد، بعد ارتكاب المتهم للجريمة وقبل صدور حكم نهائي فيها، يجعل المتهم في وضع أفضل بشأن الواقعة التي يحاكم من أجلها، فإنه هو الذي يطبق عليه وليس القانون الأشد الذي ارتكبت الجريمة أثناء فترة سريانه.


وذلك استثناء من الأصل العام في شأن سريان نصوص التجريم والعقاب الذي يقرر لها أثراً فورياً، طالما لم يصدر في الدعوى حكم بات، استنفذ كافة وسائل الطعن عليه بالطرق العادية وغير العادية من معارضة واستئناف ونقض.


الأساس القانوني لمبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم:


ويجد مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم سنده التشريعي في المادة الخامسة من قانون العقوبات، إذ قررت أنه:

" إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره. وإذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف الحكم وتنتهي آثاره الجنائية ".


كما أن للمبدأ أساساً دستورياً استخلصته المحكمة الدستورية العليا، يتمثل في وجوب حماية الحرية الشخصية ارتكازاً على المادة (54) من الدستور التي قررت أن:

" الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس، ....". وقالت في ذلك أن: " قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن إنكار الأثر الرجعي للقوانين الجنائية، يفترض أن يكون تطبيقها في شأن المتهم مسيئاً إليه، فإن كانت أكثر فائدة لمركزه القانوني في مواجهة سلطة الاتهام،

فإن رجعيتها تكون أمراً محتوماً، إعمالاً لقاعدة القانون الأصلح للمتهم. تلك القاعدة التي إن اتخذت من نص المادة (5) من قانون العقوبات موطئاً وسنداً، فإن صون الحرية الشخصية التي كفلها دستور 1971 بنص المادة (41) منه - والتي يقابلها نص المادة (54) من دستور 2014 - هي التي تقيم هذه القاعدة وترسيها بما يحول بين المشرع وتعديلها والعدول عنها.


فكل قانون جديد يمحو التجريم عن الأفعال التي أثمها القانون القديم، إنما ينشئ للمتهم مركزاً قانونياً جديداً، ويقوض من خلال رد هذه الأفعال إلى دائرة المشروعية مركزاً سابقاً.


ومن ثم يحل القانون الجديد وقد صار أكثر رفقاً بالمتهم وأعون على صون الحرية الشخصية التي اعتبرها الدستور حقاً طبيعياً لا يمس، محل القانون القديم فلا يتزاحمان أو يتداخلان، بل ينحي ألحقهما أسبقهما ".


ولـ مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم أيضاً أساس دولي يتمثل في نص المادة (15) من المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية التي نصت على أنه: " إذا حدث بعد ارتكاب الجريمة، أن صدر قانون ينص على عقوبة أخف، وجب أن يستفيد مرتكب الجريمة من هذا التخفيف ".


قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم في الأنظمة القانونية المقارنة:


وقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي رجعية القانون الأصلح للمتهم تأسيساً على عدم فائدته الاجتماعية ( أي انتفاء الضرورة )، وجاء قانون العقوبات الفرنسي الجديد لسنة 1994 فنص عليه صراحة في المادة 119؛1/3.


كما أكد المجلس الدستوري الفرنسي في قضاء لاحق، أن إنكار قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم بالنسبة للجرائم التي تمت ولم تنتهي المحاكمة بشأنها بعد، يخالف طبيعة مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في المادة الثامنة من إعلان الحقوق.


كما يعني إنكار هذه القاعدة السماح للقاضي بتطبيق العقوبات الأكثر صرامة المنصوص عليها في القانون القديم في حين أن المشرع قد تخلى عنها، هذا فضلاً عن الإخلال بـ مبدأ الضرورة والتناسب في هذه الحالة.


وهو ما أكده قضاء المحكمة العليا الأمريكية، الذي قرر أن حظر الأثر الرجعي للقوانين الجنائية الأصلح للمتهم، يعرض المدعى عليهم لعقوبات لم يعد من الممكن توقيعها دستورياً، ويؤدي إلى خلق أوضاع شاذة بشأن مصائر المجرمين.


علة ومبررات قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم:


وعلّة مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم نابعة من اعتبارات العدالة التي تأبى تفاوت رد فعل المجتمع تجاه من ارتكبوا ذات الجريمة، على الرغم من تغير سياسة المشرع تجاهها. فتطبيق النص الأشد في هذه الحالة يضر المتهم ويطعن حريته الشخصية بعقوبة لم تعد مبررة ولا متناسبة مع سياسة التجريم والعقاب.


كما أن علّة عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب منتفية في هذه الحالة، إذ يفيد النص الجديد الأخف مركز المتهم، ويصب في معين حريته وحقه في تناسب العقوبة الموقعة عليه مع الفعل الذي ارتكبه وفقاً لرؤية الشارع، فضلاً عن مساواته مع أقرانه ممن ارتكبوا ذات الفعل.


وقد قررت المحكمة الدستورية العليا أنه:

" غدا لازماً - في مجال إعمال القوانين الجنائية الموضوعية الأكثر رفقاً بالمتهم - توكيد أن صون الحرية الشخصية من جهة، وضرورة الدفاع عن مصالح الجماعة والتحوط لنظامها العام من جهة أخرى، مصلحتان متوازيتان، فلا تتهادمان.

وصار أمراً مقضياً - وكـلما صدر قـانون جـديد يعـيد الأوضاع إلى حالها قبل التجريم - أن ترد لأصحابها تلك الحرية التي كان القانون القديم ينال منها، وأن يرتد هذا القانون على عقبيه، إعلاء للقيم التي انحاز إليها القانون الجديد.

وعلى تقدير أن صونها لا يخل بالنظام العام باعتباره مفهوماً مرناً متطوراً على ضوء مقاييس العقل الجمعي التي لا ينفصل القانون الأصلح عنها، بل يوافقها ويعمل على ضوئها، فلا يكون إنفاذه منذ صدوره إلا تثبيتاً للنظام العام بما يحول دون انفراط عقده، بعد أن صار هذا القانون أكفل لحقوق المخاطبين بالقانون القديم وأصون لحرياتهم ".


بيد أنه وفقاً لنص المادة الخامسة من قانون العقوبات؛ فإنه متى صار الحكم في الدعوى باتاً، امتنع تطبيق مبدأ رجعية النص الجديد الأصلح للمتهم إلا في حالة وحيدة وهي صيرورة الفعل الذي ارتكبه غير معاقب عليه بأن أعاده المشرع إلى دائرة المشروعية،

أو قرر في شأن هذا الفعل سبباً للإباحة أو مانعاً للعقاب يسري في حق المتهم، أي أن يؤدي هذا النص الجديد إلى تحرر المتهم من العقوبة تماماً وليس تخفيفها عنه. وهنا، غلَّب المشرع اعتبارات العدالة على اعتبارات الاستقرار القانوني، وقرر وقف تنفيذ الحكم وانتهاء آثاره الجنائية.


ما الذي يمكن أن يؤدي إليه إنكار قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم؟


إذ القول بغير ذلك يفضي إلى نتائج لا يمكن قبولها بأي حال، وهي استمرار أحدهم في تنفيذ عقوبة جنائية عن فعل لم يعد مجرَّماً. أما في غير هذه الحالة، فإن صيرورة الحكم في الدعوى باتاً تمنع استفادة المتهم من النص الجديد الأخف.


وقد ذهب البعض إلى انتقاد هذا المسلك من جانب المشرع استناداً إلى اعتبارات تتعلق بـ مبدأ المساواة وعدم التمييز بين المتهمين، واعتبارات عملية حاصلها إمكانية تفاوت مصائر المتهمين الذين ارتكبوا ذات الفعل في أوقات متقاربة،

وتمت إجراءات محاكمة أحدهم بطريقة سريعة وناجزة وصار الحكم عليه باتاً، فلن يستفيد من نص جديد يصدر بشأن جريمته أصلح بالنسبة له في التطبيق، في حين يستفيد منه آخر طالت إجراءات محاكمته أو تعمد هو التسويف فيها.


والواقع أننا لا نؤيد هذا الرأي، إذ أن مثل هذه الفروض النظرية حال وقوعها ستكون محدودة للغاية بالنظر إلى الثبات النسبي الواجب توافره لقواعد قانون العقوبات، ولا ترقى أبداً إلى حجب اعتبارات الاستقرار القانوني.


بل ان تقويض قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم في حالة صدور الحكم البات هو المجال الوحيد المتبقي لاعتبارات استقرار العدالة الجنائية واحترام قوة الحكم البات باعتباره عنواناً للحقيقة، ومنهياً للخصومة في الدعوى الجنائية. وهو ما أيده قضاء المحكمة العليا الأمريكية.


متى يصبح القانون الجديد أصلح للمتهم؟


ويعد النص الجديد أصلح للمتهم إذا ألغى التجريم الوارد بالنص القديم، أو ضيق من نطاق التجريم بتطلب شروط أخرى لقيام الجريمة، أو قرر سبباً من أسباب الإباحة، أو استحدث مانعاً للمسئولية بالنسبة لهذه الجريمة،

أو قرر مانعاً من موانع العقاب يمكن أن يفلت به الجاني من العقاب كلياً، أو يخفف النص الجديد عقوبة المتهم نوعاً أو كماً.


وفي حالة صدور قانون جديد يتضمن أحكاماً مختلطة بعضها في مصلحة المتهم والبعض الآخر أشد بالنسبة له مما هو مقرر بالقانون القديم، فإن تحديد أي القانونين واجب التطبيق يتوقف على قابلية القانون الجديد لعزل قواعده وتطبيقها منفردة في شأن المتهم.

فإن كانت قابلة للعزل يتم تطبيق القواعد الأصلح للمتهم وطرح القواعد الأشد بالنسبة له جانباً. أما إذا كانت قواعد القانون الجديد غير قابلة للعزل، فإن القاضي يجري موازنة قضائية واقعية من ظروف الدعوى يقرر بمقتضاها إجمالاً أي القانونين يستنصر لمصلحة المتهم ويطبقه عليه.


وفي هذا المعنى، تقول المحكمة الدستورية العليا:

" إن القوانين الجزائية التي نقارنها ببعض تحديداً لأصلحها للمتهم، تفترض اتفاقها جميعاً مع الدستور، وتزاحمها على محل واحد، وتفاوتها فيما بينها في عقوباتها، فلا نغلب من صور الجزاء التي تتعامد على المحل الواحد، إلا تلك التي تكون في محتواها أو شرائطها أو مبلغها أقل بأساً من غيرها، وأهون أثراً ".


وتتقيد قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم بأحكام القوانين محددة الفترة، وهي القوانين التي يتم إقرارها لمواجهة ظروف معينة، وتسري لمدة محددة من حيث بدايتها ونهايتها.


ولا شك أن ارتكاب جريمة خلال هذه الفترة يطبق عليه حكم هذه القوانين - وهي أشد من القوانين العادية - ولا يجوز للمتهم الاحتجاج بأن فترة سريانها قد انتهت قبل أن يصبح الحكم عليه باتاً، وإلا ضاعت الحكمة التشريعية من إصدار هذه القوانين.


قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم في قضاء محكمة النقض:


وقد قضت محكمة النقض بأنه: يتعين تطبيق الأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم، ولو حكم بانقضاء الدعوى الجنائية لوفاة المتهم، إذا كان يترتب على القانون الجديد الأصلح للمتهم اعتبار حيازة الأشياء المضبوطة مع المتهم (نقد أجنبي) أمراً مباحاً، ففي هذه الحالة لا يجوز الحكم بالمصادرة.


خاتمة: تعتبر قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم في القوانين الجنائية دعامة مكملة لمبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية وتساند مبدأ الشرعية الجنائية وأحد مقومات الشرعية الدستورية للتجريم والعقاب، وقد حمى القضاء الدستوري هذه القاعدة في كافة ما يعرض عليه من قضايا جنائية.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -