أخر الاخبار

أركان الجريمة: الركن المادي للجريمة : الفعل الإيجابي و السلوك الإجرامي

الركن المادي للجريمة:

الركن المادي للجريمة هو مادياتها، أي ما يدخل في كيانها وتكون له طبيعة مادية فتلمسه الحواس. وللركن المادي أهمية واضحة: فلا يعرف القانون جرائم بغير ركن مادي، إذ بغير ماديات ملموسة لا ينال المجتمع اضطراب ولا يصيب الحقوق الجديرة بالحماية عدوان.

ما هو الركن المادي؟ ما هي عناصر الركن المادي للجريمه؟ ما هو الفرق بين الركن المادي والمعنوي؟ ما هو الركن المعنوي في الجريمه؟
أركان الجريمة: الركن المادي للجريمة : الفعل الإيجابي و السلوك الإجرامي

وبالإضافة إلى ذلك، فإن قيام الجريمة على ركن مادي يجعل إقامة الدليل عليها ميسوراً، إذ أن إثبات الماديات سهل؛ ثم هو يقي الأفراد احتمال أن تؤاخذهم السلطات العامة دون أن يصدر عنهم سلوك مادي محدد فتعصف بأمنهم وحرياتهم.

وتنصب السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في التجريم على الأفعال المادية الواضحة التي يمكن محاسبة الإنسان عليها، فلا عقاب على النوايا أو النوازع الشريرة أو العزم على إيذاء الآخرين أو التفكير في ارتكاب الجريمة.

فالقاعدة أن كل ما لا ينطبق عليه وصف الفعل لا يصلح محلاً للتجريم، أخذاً في الاعتبار؛ حالات الامتناع المجرَّم قانوناً.

وهو ما أكده المشرع الدستوري في مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الوارد بالمادة (95) من الدستور التي قررت أنه: " ....، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون ".

وبشكل عام يمكن القول أن عناصر الركن المادي للجريمة الجنائية تتلخص في ثلاث عناصر رئيسية هي:

  1. السلوك الإجرامي.
  2. النتيجة المترتبة على هذا السلوك.
  3. علاقة السببية بين السلوك والنتيجة.

وهي العناصر الرئيسية التي يكتمل بها بنيان الركن المادي للجريمة الجنائية التي يترتب عليها المسئولية الجنائية في حق الفاعل.

لا جريمة بغير سلوك إجرامي:

يعد مبدأ " لا جريمة بغير سلوك إجرامي " من أهم مبادئ شرعية التجريم الجنائي، فمن المجمع عليه في الفقه والقضاء الجنائيين ألا جريمة بغير نشاط مادي يكون هو قوام السلوك الإجرامي فيها، ويعكس إلى العالم الخارجي ما دار في نفس الجاني سابقاً على ذلك النشاط ومعاصراً له.

فالقاعدة ألا شأن لقانون العقوبات بالمراحل النفسية أو الإرادة السابقة على النشاط الإجرامي الملموس، فالقانون الوضعي لا يقحم نفسه في مجال تفكير الإنسان، وإنما يتدخل فحسب في مجال تصرفاته الخارجية.

والسلوك الإجرامي هو السلوك المادي الإرادي الخارجي الصادر عن إنسان، والذي حظره القانون لتقديره أنه يسبب نتائج تمثل عدواناً أو تهديداً بالاعتداء على مصلحة يهم القانون الجنائي حمايتها.

السلوك الإجرامي الإيجابي والسلوك الإجرامي السلبي:

سـلوك الفرد هو الذي يتجلى فيه التصرف الصادر عنه على وجه اليقين، وهو الذي يمكن أن يكون محلاً للتجريم الجنائي، سواء كان هذا السلوك فعل اعتداء مباشر على الحق الذي يحميه القانون أو امتناع عن إتيان تصرف معين يفرضه واجب قانوني على الـفرد في ملابسات معـينة.

فلا يشترط دائماً أن يتخذ الركن المادي للجريمة الجنائية صورة السلوك الإيجابي المباشر، بل يمكن أن يتخذ صورة السلوك السلبي بالامتناع.

وقد يجدر بنا التعرض لكل نوع من أنواع السلوك الإجرامي الذي تقوم به الجريمة الجنائية، ودور القضاء الدستوري بشأن كل منهما في شيء من التفصيل، ويقدم هذا المقال السلوك الإجرامي الإيجابي في حين نفرد مقال آخر للحديث عن السلوك السلبي.

السلوك الإجرامي الإيجابي:

يحدد المشرع الجنائي في نص التجريم السلوك الإجرامي المحظور ارتكابه والذي يتخذ غالباً صورة الفعل المادي الإيجابي، والجريمة الجنائية تفترض أن يكون الفعل غير مشروع طبقاً لقانون العقوبات أو القوانين المكملة له، فلا تقوم جريمة بفعل مشروع.

ولانعدام المشروعية - طبقاً للقانون الجنائي - القواعد الخاصة التي تحدده، وهي لا تتفق حتماً مع القواعد الغير جنائية، مما يؤدي إلى اختلاف التكييف القانوني للفعل في القانون الجنائي عنه في أي قانون آخر.

فالفعل المشروع طبقاً للقانون الجنائي لا تقوم به جريمة ولو كان غير مشروع طبقاً لقانون آخر. ويوصف الفعل بأنه غير مشروع إذا تضمن القانون نصاً يجرمه، ولم يكن في الظروف التي ارتكب فيها خاضعاً لسبب إباحة).

فالقانون الجنائي يهتم أساساً بالفعل المادي المرتكب، ولذلك قيل ان القانون الجنائي هو قانون أفعال؛ فإن انتفى وصف الفعل انتفى مبرر تدخل هذا القانون.

لا شك أن القانون الجنائي يهتم كذلك بالجاني من خلال تقرير مدى جدارته بالعقاب وكيفية تحقيق أغراض العقاب بالنسبة للجاني، وقدر العقوبة الموقعة عليه وتنفيذها؛ غير أنه مع ذلك فإن الفعل - لا الفاعل - هو الفكرة الرئيسية التي ينهض عليها القانون الجنائي في الوقت الحاضر.

لأن انتفاء وجود هذا الفعل يرتب عدم جواز تطبيق أحكام القانون الجنائي. لذا؛ فإن الدستور نص -حال تقريره لمبدأ عدم رجعية النصوص الجنائية على الماضي- على أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، ومفاد ذلك أنه لا يصلح في نظر الدستور للتجريم ما هو دون الفعل.

الفعل المادي المكون للركن المادي للجريمة لابد وأن يكون إرادياً ومقصوداً:

ويمكن تعريف الفعل الإيجابي المكون للسلوك الإجرامي في عبارة موجزة بأنه: " حركة عضوية إرادية " فالفعل المادي هو بداية تجسيد الرغبة الإجرامية للجاني في الواقع العملي ليتحقق بها معنى " الارتكاب ".

فالجاني يتصور النتيجة الإجرامية التي يريدها ويعقد العزم على تحقيقها من خلال الفعل الذي يكفل له تحقيق هذه النتيجة، والذي يتم بحركة عضوية من جسده، وإرادية من تفكيره ورغبته، وصولاً إلى تحقيق النتيجة الإجرامية التي ترضي إرادته الآثمة.

وبالتالي؛ فلابد من وجود علاقة سببية بين سلوك الجاني والنتيجة الاجرامية.

والحركة العضوية الصادرة عن جسد الإنسان لتحقيق النتيجة الإجرامية قد تتعدد صورها بحسب النتيجة التي يرمي الجاني إلى تحقيقها، فالأصل ألا أهمية للوسيلة التي يستخدمها الجاني في ارتكاب الجريمة، ولا كون هذه الوسيلة قاتلة بطبيعتها أم لا.

فكون الجاني قد استعمل في جريمة القتل سلاحاً قاتلاً بطبيعته أو ليس من طبيعته القتل أمر لا أهمية له، ولكن المهم أن يكون بحسب استخدام الجاني له يؤدي إلى الموت.

فمن يرتكب جريمة القتل يستوي في ذلك أن يطلق عياراً نارياً على المجني عليه أو يضربه بآلة حادة، كما يكفي في هذا الصدد أن يهيئ الجاني الظروف التي تؤدي إلى القتل حتى ولو كانت معلقة على تصرف المجني عليه حتى يمكن أن يعد سلوكاً إيجابياً.

كإعداد حفرة في طريق المجني عليه وتغطيتها بما يخفي حقيقتها عن المجني عليه حتى إذا ما مر عليها وقع فيها ومات، أو وضع ثعبان في فراش المجني عليه.

نطاق الفعل (السلوك) الذي يتكون منه الركن المادي للجريمة:

كما يدخل أيضاً في السلوك الإيجابي في جرائم القتل استخدام الأساليب النفسية في القتل طالما أنها تتطلب حركة عضوية من جانب الفاعل كمن يفاجئ شخصاً ضعيف القلب بصوت مرعب أو يلقي إليه بنبأ مؤلم فيؤدي ذلك إلى قتله.

أخذاً في الاعتبار ما قد يرتبه المشرع وفقاً لتقديره في بعض الأحيان من آثار على استخدام وسائل معينة في ارتكاب الجريمة، كتشديد العقاب على جريمة القتل بالسم في المادة (233) من قانون العقوبات، أو اشتراط استخدام أسلحة أو عصى لقيام جريمة الضرب المفضي إلى مرض أو عجز المنصوص عليها بالمادة (241) من قانون العقوبات.

كذلك لا يعد من عناصر السلوك الإجرامي لا الزمان ولا المكان الذي وقع فيه السلوك، فيستوي أن يرتكب السلوك ليلاً أو نهاراً.

ومع ذلك؛ يعتد المشرع أحياناً بمكان السلوك الإجرامي كاشتراطه أن تقع جريمة زنا الزوج في منزل الزوجية وفقاً لنص المادة (277) من قانون العقوبات، أو قد يعتبره سبباً لتشديد العقاب كما إذا وقعت جريمة السرقة في مكان مسكون.

كما يتسع مدلول الفعل للأفعال الشفوية وغيرها من الصور التي تنطوي على إفصاح مادي عن علم ومعرفة مثل الشهادة الزور أو عن إرادة مثل الاختلاس، أو عن عاطفة كتحبيذ مذهب هدّام.

كما أن الصفة الإرادية للفعل ضرورية لإمكان قيام السلوك الإجرامي عليه، وفيها يكمن الإذناب الجدير بالعقاب، فالإرادة هي مصدر هذا الفعل المادي وهي التي توجهه وتستمر في جميع الماديات التي يتكون منها الفعل المادي وصولاً إلى النتيجة.

ويترتب على ذلك؛ أن تجرد الفعل المادي من الصفة الإرادية يجعله غير صالح لقيام السلوك الإجرامي عليه وبالتالي الركن المادي للجريمة، ويُعفي من صدر عنه هذا الفعل من المسئولية الجنائية.

ومثال ذلك، من أصيب بحالة إغماء فوقع على غيره فأصابه أو على مال الغير فأتلفه، ففي هذه الحالات لا يسأل هذا الشخص عن جرائم إتلاف أو إصابة.

تأثير الإكراه المادي والمعنوي على الفعل المكون للركن المادي للجريمة:

وكذلك حالة الإكراه المادي الذي يسلب الشخص إرادته كاملة في التحكم في بعض أجزاء جسده ويستخدمها شخص آخر لارتكاب جريمة، كمن يمسك بيد شخص ويرغمه على التوقيع على محرر أو وضع سم لشخص يراد قتله أو ما شابه ذلك.

ففي مثل هذه الحالات؛ يؤدي الانعدام الكامل للإرادة تحت سيطرة الإكراه المادي إلى انهيار الركن المادي للجريمة الجنائية بالنسبة للشخص الواقع عليه الإكراه، ويسأل من قام بهذا الإكراه عن الجريمة في هذه الحالة.

أما الإكراهالمعنوي الذي لا يعدم الإرادة وإنما يؤثر عليها بالتوجيه والضغط النفسي، فإنه لا يرتب انهيار الركن المادي للجريمة، إذ تبقى معه مواصفات الفعل المادي باعتباره حركة عضوية إرادية قائمة، وإنما ينصرف تأثيره على الركن المعنوي للجريمة ليصبح مانعاً من موانع المسئولية.

وذلك تأسيساً على توجيهه للإرادة وليس سلبها كاملة.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -