أخر الاخبار

رقابة السلطة التقديرية للمشرع لدى المحكمة العليا الأمريكية وفرنسا ومصر

الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع في الولايات المتحدة وفرنسا ومصر:


يتولى القضاء الدستوري في الولايات المتحدة الأمريكية USA وفرنسا ومصر مهمة الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي من خلال رقابة مبدأ الضرورة والتناسب في التشريعات الجنائية، والتحقق من اتزان منهج المشرع في حماية كافة المصالح والقيم التي يتبناها الدستور.

وذلك من خلال الجهات المفوضة دستورياً بذلك وهي المحكمة العليا الأمريكية في الولايات المتحدة والمجلس الدستوري في فرنسا France والمحكمة الدستورية العليا في مصر.


الرقابة القضائية على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في قضاء المحكمة العليا الأمريكية والمجلس الدستوري الفرنسي والمحكمة الدستورية العليا في مصر
رقابة السلطة التقديرية للمشرع لدى المحكمة العليا الأمريكية وفرنسا ومصر

وبشكل عام: إذا أقدم المشرع على إحداث عدم تناسب ظاهر لا يتفق مع الأهداف والمقاصد التي استهدفها الدستور من وراء حماية الحقوق والحريات وسائر القيم التي ينص عليها، تعرَّض للقضاء بعدم دستورية (Unconstitutionality) القاعدة التي أخلت بضوابط الضرورة والتناسب.


ويتناول المقال التالي دور القضاء الدستوري في الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي من خلال التقسيم التالي:

  1. رقابة المحكمة العليا الأمريكية US Supreme Court على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي.
  2. رقابة المجلس الدستوري Conseil constitutionnel français الفرنسي على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي.
  3. رقابة المحكمة الدستورية العليا على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي.

وذلك على التفصيل التالي:


الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في الولايات المتحدة الأمريكية:


حرصت المحكمة العليا الأمريكية على أن تحدد بدقة الضرورة والتناسب في نصوص التجريم والعقاب، وفقاً لمعطيات كل حالة تعرض عليها.

فأعلنت المحكمةالأمريكية العليا أن التعديل الثامن للدستور الأمريكي American Constitution يحظر بإيجاز العقوبات " المفرطة "، التي تعتبر بطول مدتها أو شدتها غير متناسبة مع الجرائم المنسوبة إلى المتهم.


وحددت المحكمة العليا الأمريكية " المعايير الموضوعية " التي تستند إليها عند البحث عن التناسب بين الجريمة والعقوبة وهي:


  1. مدى خطورة الجريمة ومقدار إيلام العقوبة.
  2. الأحكام الصادرة بحق مجرمين آخرين في نفس الولاية.
  3. الأحكام المفروضة لارتكاب نفس الجريمة في ولايات أخرى.


وقررت المحكمة العليا بناء على ذلك أن: عقوبة السجن مدى الحياة Life imprisonment دون إمكانية الإفراج المشروط، وهي أشد عقوبة ممكنة في ولاية " داكوتا الجنوبية "، محجوزة لجرائم خطيرة مثل القتل والاختطاف والحرق.

ولا يجوز الحكم بها في جرائم تتعلق بإصدار شيكات بدون رصيد حتى في حالة تكرارها، لأنها من الجرائم اللاعنفية، والتي وصفت المحكمة درجة الخطورة فيها بأنها " قليلة نسبياً ".


كما قررت المحكمة العليا الأمريكية أن:

" تجريم التسكع والسلوك غير المنضبط في قانون التشرد لا يتفق مع الدستور، حيث لا توجد جريمة، ولا يوجد دليل على أي شيء".


وقضت أيضاً بأن: " معاقبة طفل يبلغ سنه أربعة عشر عاماً بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج المشروط لارتكابه جريمة قتل عمد، يعد غير متناسب دستورياً مع ظروف حالته باعتباره طفلاً يغلب عليه عدم النضج والتهور وعدم التحكم في حالته العاطفية،

وأن التشدد معه إلى هذه الدرجة يكشف عن عدم تناسب العقوبة مع حالته باعتباره (حدث)، وينتهك التعديل الثامن الذي يحظر العقوبات القاسية ".


كما رأت المحكمة الأمريكية العليا أن إصدار ولاية نيويورك قانوناً شاملاً للمخدرات، يفرض عقوبة إلزامية بالسجن مدى الحياة وبالحد الأدنى المقرر لعقوبة السجن، عن كافة جرائم المخدرات من الفئة (أ) الواردة بهذا القانون، يكشف عن عقوبة قاسية وغير عادية ويناهض الدستور.


الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في فرنسا:


وقد عنيت قرارات المجلس الدستوري الفرنسي بالتأكيد على أنه: " إذا كان تقدير ضرورة عقوبة الجرائم يدخل في إطار السلطة التقديرية للمشرع، إلا أن المجلس الدستوري تقع عليه مسئولية تأمين وجود التناسب بين الجريمة والعقوبة ".


واستقر المجلس الدستوري إلى عدم دستورية الجزاء الجنائي الذي يبدو ظاهراً عدم تناسبه مع الوقائع التي تؤدي إليه، وقضى بناء على ذلك؛ بعدم دستورية نص المادة 421 / 1 من قانون العقوبات التي اعتبرت من أعمال الإرهاب مجرد مساعدة أجنبي على دخول البلاد أو التنقل أو الإقامة بها على وجه غير مشروع؛

وذلك على أساس أن المشرع جرَّم هذا السلوك بذاته بناء على هذا الوصف، رغم أنه قد لا تكون له علاقة مباشرة مع العمل الإرهابي الذي قارفه هذا الأجنبي، دون إخلال بإمكان اعتبار هذا الفعل اشتراكاً في أعمال الإرهاب، أو إخفاء للمتهم بالإرهاب أو اشتراكاً في جمعية إرهابية إذا توافرت الشروط التي يتطلبها القانون لقيام هذه الجريمة.


وقد أسس المجلس الدستوري Constitutional Council قضاءه على عدم توافر شرط الضرورة في التجريم والعقاب في هذه الحالة.


وقضى المجلس الدستوري أيضاً؛ بعدم دستورية التشريع الذي يجيز إبعاد أي أجنبي إلى خارج الحدود الفرنسية في حالة عدم حصوله على الجنسية الفرنسية، لما ينطوي عليه هذا الإجراء من عدم تناسب ظاهر.

كما قضى المجلس الدستوري الفرنسي بعدم دستورية الغرامة الضريبية بسبب إخفاء دخل الممول عندما تنطوي على عدم تناسب ظاهر، وذلك إذا كان مبلغ الغرامة متساوياً مع الدخل المخفي، وذلك باعتبار أن هذا الجزاء في كثير من الأحوال يكشف عن عدم تناسب ظاهر مع الفعل الذي أتاه المتهم.


في حين قرر المجلس الدستوري الفرنسي في حكم آخر أن قيام المشرع - في سبيل حمايته للنظام الضريبي كقيمة دستورية - بفرض غرامة نسبتها (خمسون في المائة) من قيمة المبالغ مستحقة الآداء، لا تمس مبدأ التناسب في العقوبة.


وهكذا، بسط المجلس الدستوري رقابته على التناسب بين العقوبات والمخالفات، وقضى بتاريخ 28 يوليو لعام 1989( بالقرار رقم 260 لعام 1989) بعدم دستورية تجاوز المدة الإجمالية للعقوبات التي تضمنها نص القانون المحال للمجلس للحد الأقصى لإحدى هذه العقوبات.


كما قضى المجلس الدستوري في فرنسا بتاريخ 20 يوليو لعام 1993( بالقرار رقم 321 لسنة 1993 ) بعدم دستورية حرمان الأشخاص الذين ولدوا على إقليم فرنسا من حق اكتساب الجنسية الفرنسية في حالة ارتكابهم لبعض المخالفات، وقرر المجلس أن جزاء الحرمان من الجنسية ينطوي على غلو ولا يتناسب مع هذه المخالفات.

وقضى بتاريخ 23 يوليو لعام 1996( قرار رقم 378 لسنة 1996) بعدم دستورية نص قانوني يجمع بين جزاء جنائي وجزاء إداري عام من طبيعة مالية ، لعدم تناسب هذين الجزاءين مع المخالفة.


الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع الجنائي في مصر:


رأت المحكمةالدستورية العليا في مصر أن تقدير الضرورة لا يخضع لمعيار ثابت وإنما يتغير بتغير الظروف، وقد تجلت رقابة المحكمة الدستورية العليا على الضرورة والتناسب في التجريم الجنائي في العديد من أحكامها، ومن ذلك:


قضاء المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة الخامسة مكرر من القانون رقم (35) لسنة 1978 في شأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية.

والتي كانت تعاقب بالحبس أو الغرامة على كل من زاول عملاً من الأعمال المهنية المنصوص عليها في المادة (2) من هذا القانون - وهي أعمال إبداعية تتعلق بالتمثيل والإخراج والتصوير - إذا لم يكن من المقيدين بجداول النقابة، أو كان ممنوعاً من مزاولة المهنة مالم يكن حاصلاً على تصريح مؤقت للعمل طبقاً للمادة الخامسة من هذا القانون.

ورأت المحكمة الدستورية العليا أن: " التجريم يتناول في الأعم أعمالاً إبداعية، والعقوبة التي فرضها المشرع على مباشرة هذه الأعمال دون ترخيص بها - وهي الحبس والغرامة أو إحداهما - تمثل عبئاً باهظاً على أعمال الإبداع،

لتجاوز قسوتها ما يفترض أصلاً من تشجيعها وإنمائها والحض عليها بكل الوسائل، وأن الأصل هو جوازها لولا القيود المهنية التي فرضها التنظيم النقابي في شأنها، وهي بعد قيود ما كان ينبغي أن تصل وطأتها إلى حد إنفاذها من خلال جزاء جنائي يقيد الحرية الشخصية اعتسافاً، مجاوزاً بذلك قدر الضرورة الاجتماعية التي لا يجوز أن يكون بنيان التجريم منفصلاً عن متطلباتها ".


كما قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (43) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم (11) لسنة 1991، والمعدل بالقانون رقم (91) لسنة 1996،

والتي كانت تنص على أنه: " مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد يقضي بها قانون آخر، يعاقب على التهرب من الضريبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويحكم على الفاعلين متضامنين بالضريبة والضريبة الإضافية وتعويض لا يجاوز مثل الضريبة ".

وقررت المحكمة أن طائفة الجزاءات الجنائية الأولى الواردة بالفقرة سالفة البيان وهي (الحبس والغرامة) جاءت متناسبة مع الفعل المنهي عنه، وفقاً لما رآه المشرع محققاً للفائدة الاجتماعية المبتغاة، وفي إطار سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق،

كما جاءت العقوبتان - الحبس والغرامة - بالقدر اللازم لحمل المدين بدين الضريبة على الإقرار عن مبيعاته والوفاء بالضريبة المستحقة في مواعيدها، من غير غلو أو إسراف.

أما الشق الأخير من الفقرة، والمتضمن وجوب الحكم على الفاعلين متضامنين بالضريبة والضريبة الإضافية وتعويض لا يجاوز مثل الضريبة، فقد رأت فيه المحكمة أنه مناف لضوابط العدالة الاجتماعية، مجاوزاً بمداه وتعدده الحدود المنطقية لحماية المصلحة الضريبية، وقررت وجوب أن يكون الجزاء متناسباً مع الفعل المؤثَّم ومتدرجاً بقدر خطورته.


وفي المقابل؛ قضت المحكمة الدستورية العليا في عدد من أحكامها بإقرار مذهب المشرع الجنائي في تقديره للضرورة والتناسب. فقضت على سبيل المثال؛ بإقرار دستورية نص المادة (375 مكرراً) من قانون العقوبات المضافة بالمرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2011، والتي تعاقب على جرائم استعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد به ضد الأشخاص أو المصلحة العامة في بعض صورها بالحبس مدة لا تقل عن سنة، والحبس مدة لا تقل عن سنتين في بعض الظروف المشددة للجريمة.


ورأت المحكمة أن:

" العقوبة المقررة بمقتضى نص المادة (375 مكرراً) من قانون العقوبات، وهى الحبس مدة لا تقل عن سنة، وتغليظ العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين، إذا توافرت الظروف المشددة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة،

مما يجعلها من العقوبات المقررة للجنح لا الجنايات، هي عقوبات تتناسب مع خطورة وفداحة الإثم المجرَّم في المادة المطعون عليها دون غلوٌ أو تفريط ".


كما أقرَّت المحكمة دستورية المادة (156) من قانون الزراعة رقم (53) لسنة 1966، المعدل بالقانون رقم (116) لسنة 1983، فيما ذهبت إليه من المعاقبة على إقامة بناء على أرض زراعية بدون ترخيص بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، ووجوب تضمين الحكم الأمر بإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف.


وقررت المحكمة أن " تأثيم الأفعال التي حظرها المشرع كان ملتزماً حدود الضرورة الاجتماعية التي لا ينفصل الجزاء الجنائي عنها باعتباره اسلوباً ملائماً لردع عدوان محتمل عليها، لا يحول بين السلطة القضائية ومباشرة مهمتها في مجال تفريده، فلا يكون قدره إلا مناسباً لوزن الجريمة وملابساتها.

كما أن العقوبة الأصلية التي فرضها النص المطعون فيه - وهي الحبس والغرامة في الحدود التي فرضها المشرع - وإن كان توقيعها مكملاً الأمر بإزالة أسباب المخالفة على نفقة من ارتكبها، إلا أن هاتين العقوبتين متضاممتان، بل أن ثانيتهما هي الضمان النهائي لاقتلاع جذور العدوان على الأراضي الزراعية ".

 

المصادر:


قائمة قضايا المحكمة العليا الأمريكية:


Atkins V. Virginia, 122 U.S. 2242,2247 (2002).                                                                                             144 U.S. 323, 339-40 (1892). O’Neil V. Vermont,

Howard V. Fleming, 191 U.S. 126, 135-36 (1903).                                                                                    

Solem V. Helm , 463 U.S. 277 (1983).                                                                                                   

Thompson V. Louisville, 362 U.S. 199 (1960).

Johnson V. Florida, 391 U.S. 596(1968).           

Miller V. Alabama, 567 U.S. (2012).                                                                                    

Carmona V. Ward, 439 U.S. 1091(1979).

قائمة قرارات المجلس الدستوري الفرنسي:

                                                                            

2007-554 DC, 9 août 2007, cons. 8, Journal officiel du 11 août 2007, page 13478, texte n° 8, Rec. p. 303.  2008-564 DC, 19 juin 2008, cons. 34, Journal officiel du 26 juin 2008, page 10228, texte n° 3, Rec. p. 313.

2012-267 QPC, 20 juillet 2012, cons. 3 à 5, Journal officiel du 21 juillet 2012, page 12003, texte n° 80, Rec. p. 394.                                                                                                                                                  

 

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -