أخر الاخبار

نطاق تطبيق قانون العقوبات من حيث الزمان وفقاً لأحكام القضاء الدستوري

 نطاق سريان نصوص القوانين الجنائية من حيث الزمان:


مقدمة: سبق الحديث في مقال سابق عن مبدأ حظر الأثر الرجعي لنصوص التجريم والعقاب، ويتناول المقال التالي قاعدة عدم رجعية القوانين الجنائية من حيث أساسها القانوني ومبرراتها وأحكام القضاء الدستوري التي صدرت بشأن القاعدة في فرنسا وأمريكا ومصر وذلك من خلال:


  1. قرارات المجلس الدستوري الفرنسي بشأن عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب.
  2. أحكام المحكمة العليا الأمريكية بشأن قاعدة عدم رجعية نصوص القانون الجنائي.
  3. أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن حظر الأثر الرجعي لنصوص قانون العقوبات.

وذلك على التفصيل التالي:


عدم رجعية القوانين الجنائية, حظر الاثر الرجعي لقواعد التجريم والعقاب, الأثر الفوري المباشر لنصوص القانون الجنائي, أحكام المحكمة العليا الأمريكية, أحكام المجلس الدستوري الفرنسي
نطاق تطبيق قانون العقوبات من حيث الزمان وفقاً لأحكام القضاء الدستوري


أولاً: مبدأ عدم رجعية قواعد القانون الجنائي في النظام المصري:


تقضي المادة (95) من الدستور بأن: " العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون ".


وقد قرنت المادة المذكورة بين مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ومبدأ آخر يكمله ويعد نتيجة منطقية له، وهو مبدأ حظر الأثر الرجعي لنصوص التجريم والعقاب، كرسته المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري بقولها أنه: " يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها ".


ثم عاد المشرع الدستوري وأكد على حتمية المبدأ من خلال نص الفقرة الثانية من المادة (225) من الدستور بقوله:

" ولا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ومع ذلك يجوز في غير المواد الجنائية والضريبية، النص في القانون على خلاف ذلك، بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب ".


ليؤكد المشرع الدستوري أن مبدأ عدم رجعية القوانين يبلغ أقصى مداه في المواد الجنائية، مقيداً سلطة المشرع العادي في ذلك تقييداً تاماً.


وبناء عليه؛ يظل لقواعد قانون العقوبات وجودها القانوني إلى أن يتم إلغاؤها، إما صراحة وإما ضمناً. وتتمتع قواعد قانون العقوبات بثبات نسبي، ولا تتعرض للإلغاء أو التعديل إلا إذا تغيرت فلسفة التجريم أو العقاب في المجتمع، فتصدر حينئذ قواعد جديدة تعكس الفلسفة الأحدث.


وبالإضافة إلى الأساس الدستوري والتشريعي للمبدأ، فإن له أساس دولي باعتباره ضمانة هامة للمخاطبين بنصوص التجريم والعقاب، فشملته المادة (15/1) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي قررت أنه:

" لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي. كما لا يجوز فرض عقوبة تكون أشد من تلك التي كانت سارية المفعول في الوقت الذي ارتكبت فيه الجريمة.


كما أن المبدأ مستقر في أحكام الشريعة الإسلامية الغراء. ومن ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم " فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ" صدق الله العظيم. الآية (275) من سورة البقرة.


مفهوم مبدأ عدم رجعية القوانين العقابية:


ويعني المبدأ أن نصوص التجريم والعقاب لا يكون لها إلا أثرٌ مباشرٌ في تطبيقها، بحيث لا ترتد إلى الماضي لتحاسب الأفراد عن أفعال سابقة على صدور هذه النصوص، أو توقع عليهم عقوبات من أجلها.


ويعبر عن هذا المبدأ بقاعدة أن للقانون الجنائي أثراً فورياً ومباشراً موجهاً نحو المستقبل وما يستجد فيه من وقائع كقاعدة عامة، ولا ينظر القانون إلى الماضي إلا بعين الرأفة حال كونه في صالح المتهم.


إذ يفترض تطبيق المبدأ أن الجريمة التي ارتكبها المتهم قد وقعت في ظل النص القانوني القديم الذي يعالج الجريمة التي ارتكبها، وأن يكون هذا النص القديم أقل وطأة على المتهم حين يطبق عليه.


وغني عن البيان، أن مبدأ عدم الرجعية لا يسري على النصوص التفسيرية، وهي التشريعات التي لا يستهدف بها الشارع إضافة أحكام جديدة أو تعديل أحكام قائمة، وإنما يستهدف بها مجرد توضيح نصوص سابقة.


والنصوص التفسيرية تلحق بالنصوص السابقة التي صدرت تفسيراً لها وتندمج فيها، ويترتب على ذلك سريانها على كل ما تسري عليه هذه النصوص.


والواقع أن المبدأ لا يحتاج إلى تدعيم، ويبرره المنطق القانوني، فمبدأ عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب هو النتيجة المنطقية لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.


وإنكار المبدأ يعني هدم مبدأ الشرعية بالكلية، لأنه لا يتصور أن يجرم القانون الجنائي أفعالاً سابقة على صدوره مع الحفاظ على قاعدة " لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء علىقانون "، والقول بغير ذلك يعني أن النتيجة قد سبقت السبب، وهو ما لا يمكن قبوله.


كما أن فلسفة مبدأ عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب ترتكز في المقام الأول على حماية الحقوق والحريات الفردية في مواجهة السلطات العامة، وغلق باب الاستبداد الذي سيفتح على مصراعيه حال إقرار التجريم والعقاب بأثر رجعي.


ثم على استقرار المراكز القانونية للمتهمين، وما يستتبعه من استقرار لنشاط العدالة في ذاتها، فليس من المستساغ أن تشدد العقوبة على جريمة تمت المحاكمة عنها، وإعلان رد فعل المجتمع تجاه مقترفها.


أحكام المحكمة الدستورية العليا المصرية بشأن سريان نصوص قانون العقوبات:


ولقد عني القضاء الدستوري بتأكيد المبدأ في ثنايا أحكامه، مؤكداً على حتمية نفاذه في نصوص التجريم والعقاب، فقالت المحكمة الدستورية العليا أنه:

" مــن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المادة (95) من الدستور القائم وإن نصت على أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون الذي ينص عليها، مقررة بموجبها قاعدة عدم رجعية القوانين العقابية.

مؤكداً كذلك - يُقصد الدستور - على تلك القاعدة بما قررته الفقرة الثانية من المادة (225) من أن الأصل في أحكام القوانين هو سريانها من تاريخ العمل بها، وعدم جواز إعمال أثرها فيما وقع قبلها.

وأنه لا خروج على هذا الأصل إلا بنص خاص، وفي غير المواد الجنائية والضريبية، وبموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، وذلك توقياً لتقرير عقوبة على فعل كان مباحاً حين ارتكابه، أو تغليظها على فعل كانت عقوبته أخف.

وذلك المبدأ - عدم رجعية القوانين العقابية الأسوأ للمتهم - يقيد السلطة التشريعية إعمالاً لمبدأ شرعية الجريمة والعقوبـــة، وصوناً للحريــــة الشخصية التي كفلها الدستور في المــادة (54) منه، بمــا يرد كل عدوان عليها.

والأمر المعتبر في تحديد رجعية القانون العقابي من عدمهـــا، إنما يتعلق بتاريخ ارتكاب الفعل أو الامتناع الذي يقع بالمخالفة لنص عقابي ".


وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية البند (أ) من المادة الخامسة من القانون رقم (33) لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، وذلك لتقريره عقوبة تسري بأثر رجعي في حق بعض فئات المجتمع، إذ كانت تقضي المواد (4 ، 5) من القانون المذكور بحرمان بعض فئات المجتمع من مباشرة الحقوق السياسية.


وذلك كنوع من العقاب على اشتراكهم في إدارة الحياة السياسية بصورة تستوجب العقاب في نظر القانون المذكور، أو اشتراكهم في جرائم من نوعية معينة ضد حقوق وحريات الأفراد، خلال فترات سابقة على صدوره.


ورأت المحكمة الدستورية العليا أن:

" ما نصت عليه المادة الخامسة من القانون رقم (33) لسنة 1978 في البند (أ) منها من حظر الانتماء إلى الأحزاب السياسية لكل من حكم بإدانته في الجناية رقم (1) لسنة 1971 مكتب المدعي العام الخاصة بمن شكلوا مراكز قوى بعد ثورة 23 يوليو 1952،

ينطوي على عقوبة جنائية قررها القانون المشار إليه لتلحق حتماً المحكوم بإدانتهم في تلك الجناية تحقيقاً لما تغياه المشرع من هذا القانون وأفصح عنه في مذكرته الإيضاحية وهو استبعاد مراكز القوى التي دانتها محكمة الثورة من ممارسة أي نشاط سيأسى.

لما كان ذلك، وكان الثابت من صورة الحكم في الجناية رقم (1) لسنة 1971 مكتب المدعي العام المرفقة بالأوراق أن الأفعال التي حكم بإدانة المتهمين فيها وقعت خلال سنة 1971 قبل صدور القانون رقم (33) لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي الذي عمل به من تاريخ نشره في 3 يونية سنة 1978،

ومن ثم فإن العقوبة الجنائية التي تضمنتها المادة الخامسة من القانون المشار إليه في البند (أ) منها تكون قد فرضت عن فعل سابق على نفاذ القانون الذي قررها، بالمخالفة للمادتين (187،66) من الدستور ( والتي تقابلها المواد 95 ، 225 من دستور 2014 )، مما يتعين معه الحكم بعدم دستورية هذا البند.


ولذات الأسباب، حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم (32) لسنة 1963، وذلك فيما تضمنته من سريان العقوبات الانضباطية المقررة بمادته الأولى بأثر رجعي يرتد إلى أول يناير لسنة 1963، أي على فترة سابقة على صدوره.


أحكام المجلس الدستوري الفرنسي بشأن مبدأ عدم رجعية نصوص القانون الجنائي:


كما أكد المجلس الدستوري الفرنسي من خلال أحكامه على ضرورة مبدأ عدم رجعية نصوص التجريم والعقاب، وأكد الارتباط التام بينه وبين مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الوارد بالمادة الثامنة من إعلان الحقوق.


وقرر أن المبدأ ينطبق على كل الجزاءات التي لها طابع العقوبة، حتى تلك التي يترك المشرع أمر تحديدها لسلطة غير قضائية، أي الجزاءات التي تقررها اللوائح التي تتولى إصدارها السلطة التنفيذية ويترك لها المشرع أمر تحديد العقوبة الواجبة.


كما ذهب المجلس الدستوري الفرنسي إلى تطبيق المبدأ على تنفيذ العقوبات من حيث المدة التي يمكن أن يقضيها المحكوم عليه في السجن.


بل ورفض المجلس الدستوري الفرنسي السماح بتحصيل ضريبة عن مدفوعات النقل عن فترة سابقة على صدور القانون على الرغم من أن المجلس رأى أنه ليس لضريبة مدفوعات النقل طبيعة العقوبة الجنائية.


في حين رأى المجلس الدستوري الفرنسي أن قيام الهيئة التشريعية - من خلال القانون - بتطبيق نظام المراقبة الإلكترونية المتنقلة على بعض الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم قبل صدور هذا القانون، لا يجافي مبدأ عدم رجعية النصوص الجنائية،

لأن المراقبة الإلكترونية وسيلة تنفيذ وليست عقوبة مستقلة، وإن كان يجب أن يراعى فيها عدم تجاوز الحد المعقول للمساس بالحرية الشخصية.


كما رفض المجلس الاعتراف بمبدأ عدم الرجعية في مجال فوائد التأخير عن التعويضات، وزيادة النسبة في المساهمات الاجتماعية بمختلف صورها، لأن كل ما سبق لا يتوافر له خصائص العقوبة الجنائية، ليؤكد المجلس أن المجال الحقيقي للمبدأ هو نصوص التجريم والجزاء الجنائي.


أحكام المحكمة العليا الأمريكية بشأن حظر الأثر الرجعي لنصوص القانون الجنائي:


كما عنيت المحكمة العليا الأمريكية بتطبيق مبدأ عدم رجعية نصوص القوانين الجزائية، وقد ورد المبدأ في نصوص دستور الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عدد كبير من دساتير الولايات الأمريكية.

وقضت المحكمة العليا الأمريكية بأن تطبيق قانون أشد، لاحق على القانون الذي ارتكبت الجريمة أثناء سريانه يخالف قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية الأشد قسوة تجاه المتهم.


وقضت أيضاً بانطباق القانون المعاصر لارتكاب الجريمة الصادر في عام 1998 والذي كانت عقوبة الفعل فيه السجن من 30 إلى 37 شهراً، وعدم انطباق القانون المعدل في 2009 الذي كان سارياً وقت المحاكمة، وتم تشديد العقوبة بموجبه للسجن ما بين 70 إلى 87 شهراً.


كما قضت المحكمة الفيدرالية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية بعدم دستورية رأي تفسيري للمدعي العام في ولاية فلوريدا، قرر فيه أن قانون سنة 1992 بالولاية قد ألغى - بأثر رجعي - إمكانية  الإفراج المشروط عن السجناء المدانين بالقتل أو الشروع فيه.


خاتمة: يتضح من العرض السابق أن النطاق الزمني لنصوص التجريم الجنائي والعقاب ينصرف دائماً إلى المستقبل وما يستجد به من وقائع ولا يرتد أبداً إلى الماضي وتعتبر هذه القاعدة من أصول الشرعية الدستورية لقانون العقوبات وفقاً لأحكام القضاء الدستوري في كافة الأنظمة القانونية.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -