أخر الاخبار

مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الأساس الشرعي والدولي والدستوري


يعتبر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من المبادئ الأساسية والرئيسية التي سادت القانون الجنائي، ويعني مبدأ الشرعية الجنائية أنه: " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ".


مبدأ الشرعية في قانون العقوبات الأساس الشرعي والدولي والدستوري
مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الأساس الشرعي والدولي والدستوري



مفهوم مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات: القانون المكتوب وحده هو الذي يحدد الأفعال المعتبرة جرائم، وهو وحده الذي يحدد العقوبات المقررة على ارتكابها.



مدلول مبدأ الشرعية في قانون العقوبات:



ويقول الأستاذ الدكتور/ محمود نجيب حسني في مدلول مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أن: " مبدأ الشرعية الجنائية يعني حصر مصادر التجريم والعقاب في نصوص القانون: فتحديد الأفعال التي تعد جرائم وبيان أركانها وتحديد العقوبات المقررة لها سواء من حيث نوعها أو مقدارها، كل ذلك من اختصاص الشارع وليس للقاضي شأن في ذلك، وكل ما للقاضي هو تطبيق ما يضعه الشارع من نصوص في هذا الشأن.



ولذلك؛ فمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يضع حداً فاصلاً بين اختصاص الشارع واختصاص القاضي، فما قرر دخوله في اختصاص الأول يخرج بذلك عن اختصاص الثاني.



أساس مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في الشريعة الإسلامية:



يستنتج مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من بعض آيات القرآن الكريم استنتاجاً سائغاً وغير عسير: منها قول الحق تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) "سورة الإسراء الآية 15) / ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىٓ أُمِّهَا رَسُولً ) "سورة القصص الآية 59" / وقوله تعالى: ( رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُل ) "سورة النساء الآية 165" / وقوله تعالى: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) "سورة الأنعام الآية 19".



ومن الآيات الكريمة سالفة الذكر، استخلص الفقهاء قاعدتين أصوليتين في شأن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أو مبدأ أن " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص " هما:



القاعدة الأولى: لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص. ولدى من يقول بهذه القاعدة من الفقهاء أن الأفعال في الأصل لا محظورة ولا مباحة، لهذا لا حرج في إتيانها أو تركها حتى يرد نص على حظرها أو إباحتها، لأن الإباحة تستدعي مُبيحاً والمبيح هو الله تعالى إذا خير المكلف بين الفعل وتركه.



والقاعدة الثانية: أن " الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة ) فما لم يرد نص بتحريمه فلا مسئولية على فاعله أو تاركه، إذ لا حرج قبل ورود النص في إتيان الفعل أو تركه. ولا فرق بين هذه القاعدة والقاعدة السابقة عليها من حيث مبدأ أن " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ".



الأساس الدولي لـ مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:



اتخذ مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في القانون الجنائي الحديث بعداً دولياً فظهر في العديد من العهود والمواثيق الدولية باعتباره أحد أهم دعائم العدالة الجنائية التي اتفق عليها المجتمع الدولي بأسره تعبيراً عن القيم التي ينهض عليها.



ومن ذلك ما نصت عليه المواد (10،9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948 من أنه: ( لا يجوز توقيع عقوبة بدون نص تشريعي معمول به قبل توقيعها. 



كما تم النص على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في الفقرة الأخيرة من المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفقرة الأولى من المادة (15) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة (7) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان.



كما أيدت العديد من المؤتمرات الدولية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومن ذلك المؤتمر الدولي الرابع للقانون الجنائي المنعقد في باريس سنة 1937، والمؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي عقد في نفس السنة في لاهاي. والمؤتمر الدولي التاسع للقانون الجنائي الذي عقد في بودابست في المجر في سبتمبر سنة 1974.



الأساس الدستوري لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:



وبعد تاريخ من تطور المبدأ: أصبح مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يرتكز على نصوص دستورية تعزز مكانته وتعترف بقيمته العظمى في كافة الأنظمة الجنائية الحديثة. ومن ذلك:



مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مصر:



تنص المادة (95) من الدستور المصري على أن: ( العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون ).



مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في الولايات المتحدة الأمريكية:



عرف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ نص عليه إعلان الحقوق الصادر سنة 1773. ويتبنى دستور الولايات المتحدة الأمريكية ما يعرف بـ " شرط الوسائل القانونية السليمة ".



ومن خلال الجانب الموضوعي لشرط الوسائل القانونية السليمة: فقد جاء الاعتراف ب مبدأ الشرعية الجنائية من خلال التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي تم اقتراحه في 18 يونية لعام 1866 وتم التصديق عليه في 9 يوليو من عام 1868.



مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في فرنسا:



وعلى الرغم من عدم النص على هذا المبدأ في الدستور الفرنسي القديم، فقد أكد الفقه الجنائي قيمته الدستورية على أساس أنه جزء من القانون العام العرفي في فرنسا. وهو قانون أسمى من التشريع ذاته لا يمكن المساس به.



كما انتهى العميد " ديجيه " إلى النتيجة ذاتها اعتماداً على أن إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 قد أكد القيمة الدستورية لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات مع جميع المبادئ المترتبة عليه. وجاء كل من دستوري عام 1946 وعام 1958 ليتأكد بصفة رسمية - في مقدمة كل منهما - أن إعلان عام 1789 سالف الذكر يحتل مكاناً رفيعاً في قمة البناء القانوني الفرنسي، ويأخذ موقع القلب من " الكتلة الدستورية " التي تحتوي على الحقوق والحريات التي تتمتع بالقيمة الدستورية.



وقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي، منذ حكمه المهم الصادر في 16 يوليو عام 1971 هذا المعنى، ومارس رقابته الدستورية للتحقق من مطابقة التشريع لهذا المبدأ الدستوري.



ثم تواترت أحكام المجلس الدستوري الفرنسي التي أكدت المبدأ، ووضعته في مقدمة مبادئ الشرعية الجنائية، كما أكد المجلس الدستوري أنه لا يمكن أن يكون هناك أي تعهد أو اتفاق دولي يتم بمقتضاه تجاهل مبدأ الشرعية الجنائية.



مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في دساتير بعض الدول الأوروبية:



كما تقضي المادة (103) من الدستور الألماني لسنة 1949 بأنه: " يمكن إيقاع العقوبة بسبب فعل جنائي، فقط إذا كانت قابلية إيقاع العقوبة قد تحددت قانونياً قبل وقوع العمل الجنائي ".


كما تقضي المادة (25) من الدستور الإسباني الصادر سنة 1978 على أن: " لا يجوز المعاقبة على أي عمل أو إهمال لم يكن يشكل جريمة في وقت ارتكابه بحسب التشريعات التي كانت سارية في هذا الوقت ".



مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في دساتير بعض الدول العربية:



وقد نصت المادة (32) من الدستور الكويتي الصادر سنة 1962 على أن: " لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها ".



كما تقضي المادة (40) من الدستور القطري لسنة 2004 بأنه: " لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون. ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل به. والعقوبة شخصية. ولا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها ".



وهكذا اتخذ مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات مكانته الراسخة في مقدمة مبادئ العدالة الجنائية في كافة النظم الجنائية الحديثة.









وضع القراءة :
حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-