أخر الاخبار

القانون الجنائي الدستوري : التوجيه الدستوري بالتجريم الجنائي

 التوجيه الدستوري بالتجريم الجنائي:


بالإضافة إلى صور التجريم الدستوري السالف بيانها في مقال سابق، وردت بعض صور " التوجيه بالتجريم الجنائي " من جانب المشرع الدستوري إلى السلطة التشريعية بمقتضى نصوص دستور 2014.


جرائم التعذيب, التهجير القسري, الاعتداء على التراث الحضاري والثقافي, الدستور والقانون الجنائي, القانون الجنائي الدستوري : التوجيه الدستوري بالتجريم الجنائي
القانون الجنائي الدستوري : التوجيه الدستوري بالتجريم الجنائي


ويفصح ذلك التوجيه عن تقدير المشرع الدستوري لضرورة حماية المصالح الواردة بتلك النصوص من خلال التجريم والعقاب، في حين أن الجرائم الواردة بتلك النصوص لم تكن مجرَّمة أو لم تتم معالجتها تشريعياً بصورة مناسبة.


ويمكن بيان حالات التوجيه الدستوري بالتجريم الجنائي وفقاً لوثيقة دستور2014 على النحو التالي:

  • جرائم الاعتداء على التراث الثقافي والحضاري.
  • جرائم التعذيب.
  • جرائم التهجير القسري.


الحالة الأولى: تجريم الاعتداء على تراث مصر الثقافي والحضاري:


نصت المادة (50) من الدستور على أن:

" تراث مصر الحضاري والثقافي، المادي والمعنوي، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة، والقبطية، والإسلامية، ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته، وكذا الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أي من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون ".


ويتضح من ظاهر نص المادة (50) من الدستور، خلو التشريع الجنائي المصري من تجريم يكفل حماية شاملة للتراث الحضاري بمفهومه الواسع على النحو الوارد بنص المادة (50) من الدستور.


صحيح أن هناك بعض النصوص التي يمكن اللجوء إليها في بعض الفروض إعمالاً للمبدأ الدستوري المذكور؛ ومن ذلك:

نص المادة (162) من قانون العقوبات التي تجرم هدم أو إتلاف المباني أو الأعمال ذات القيمة التذكارية، ونصوص تجريم الاعتداء على الآثار الواردة بالقانون رقم (91) لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، وغيرها.


ولكن تبقى تلك النصوص قاصرة عن تقديم قدر مقبول من الحماية الواجبة للموروث الحضاري الثقافي والعلمي والديني والفني على النحو الذي ابتغاه المشرع الدستوري.


ويحاول البعض تعريف الموروث بأنه: " كل ما هو منقول متواتر، أو ما ينقله الخلف عن السلف من مال ونحوه ".


الحالة الثانية: تجريم التعذيب:


تـقضي المادة (52) من الدستور بأن:

" التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم ". وقد تناول قانون العقوبات المصري جريمة التعذيب من خلال نصوص المواد (126، 129) من قانون العقوبات، التي تتحدث عن تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف، أو استخدام القسوة مع الناس اعتماداً على الوظيفة العامة (2).


وبعض نصوص الكتاب الثالث من قانون العقوبات، الخاص بالجنايات والجنح التي تحصل لآحاد الناس وهي المواد (241،240،236) من قانون العقوبات التي تتعلق بجرائم الضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة.


إضافة إلى بعض النصوص التي قد ترتبط بجريمة التعذيب كنصوص المواد (282،281،280) من قانون العقوبات التي تتعلق بالقبض على الناس واحتجازهم دون وجه حق.


ويحتل التعذيب المرتبة الأولى في قائمة المخاطر التي يتعرض لها الإنسان (3)، لذلك، فإن جريمة التعذيب في حاجة إلى نص قانوني جديد، يضع تعريفاً جامعاً لجريمة التعذيب يشمل كافة صورها المحتملة، وسواء وقعت من موظف عام أو غيره.


ويكون مناط التجريم فيها وجوهر الإثم هو فعل التعذيب ذاته، منفصلاً عن الدافع من وراء استخدامه، أو النتيجة التي يرمى إلى تحقيقها، إذ تجلى فشل التنظيم التشريعي لجريمة التعذيب - من خلال الزوايا التقليدية التي نظر المشرع من خلالها إلى جرائم التعذيب - في الحد من وقائع التعذيب.


سواء التي تقع من الموظفين العمومين ومأموري الضبط، أو تلك التي تقع بين آحاد الناس. فضلاً عن تكييف وقائع التعذيب التي يترتب عليها وفاة المجني عليه في الغالب على أنها ضرب أفضى إلى موت.

وقد عرف قانون العقوبات الفدرالي الأمريكي أيضاً جريمة التعذيب بالربط بينها وبين الموظف العام، فعرف التعذيب المادي بأنه:

" فعل يرتكب من قبل شخص يتصرف تحت سلطة القانون، يهدف على وجه التحديد إلى إلحاق ألم جسدي أوعقلي شديد، ويقع على شخص آخر له وصاية عليه أو سيطرة مادية.

في حين أن التعذيب المعنوي أو المعاناة النفسية في تعريف ذات القانون هي أذى نفسي مطول؛ إما بالتهديد بإلحاق الأذى، أو التهديد باستخدام مواد مسببة للهلوسة أو التهديد بموت وشيك، أو التهديد بأن شخصاً آخر سيتعرض لموت وشيك، أو تعذيب مادي أو معنوي أو غيره ".


الحالة الثالثة: تجريم التهجير القسري:


نصت المادة (63) من الدستور على أن: " يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم ".


ويخلو قانون العقوبات المصري من نص يجرم التهجير القسري ويعاقب عليه، وتعرف اتفاقية روما للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التهجير القسري في المادة (2) فقرة (د) بأنه:

" إبعاد السكان أو النقل القسري لهم من المنطقة التي يتواجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي ".


ولا شك أنه بعد تجريم التهجير القسري بمقتضى نص المادة (63) من الدستور بنص صريح، أصبح من الواجب على المشرع الجنائي المصري تبني تعريف محدد لجريمة التهجير القسري بمقتضى نص قانوني مستقل يوضح ماهية الجريمة، وأركانها، والعقوبات المقررة من أجلها.

وتحديد النماذج القانونية لجريمة التهجير القسري سواء وقعت من سلطات الدولة أو كيانات داخلية، أو كان للجريمة بعدُ دوليّْ.


المصادر:

  1. د/ أحمد محمد عبد المجيد، دور القضاء الدستوري في تفعيل الضمانات الدستورية في التجريم والعقاب، القاهرة، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2022.
  2. سليمان محمد سليمان الهاجانى، الحماية الجنائية للموروث الحضاري، رسالة ماجستير، جامعة المنصورة، 2014، ص67.
  3. د/ طارق عمار محمد كركوب، الحماية الجنائية الموضوعية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، 2016، ص328.
  4. د/ أحمد عبد اللاه المراغي، جرائم التعذيب والاعتقال "دراسة مقارنة"، القاهرة، المركز القومي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى، 2015، ص19.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -