أخر الاخبار

وضوح النصوص الجنائية في قضاء المحكمة العليا الأمريكية والمجلس الدستوري

وضوح وتحديد نصوص التجريم والعقاب:


يجب أن يكون نص التجريم والعقاب واضحاً في إرسال التكليف الجنائي من المشرع إلى الأفراد، بالحد الذي يجعل عقابهم على مخالفة هذا التكليف مبرراً، وأن يكون النص الجنائي محدداً في بيان نطاق هذا التكليف الجنائي.


وضوح وتحديد النصوص الجنائية, مبدأ الوضوح والتحديد في نصوص القانون الجنائي, مبادئ القانون الجنائي
وضوح النصوص الجنائية في قضاء المحكمة العليا الأمريكية والمجلس الدستوري

ويكفل مبدأ وضوح نصوص القانون الجنائي تبصير المخاطبين به بما يجب أن يفعلوه أو يتجنبوه، وتبصيرهم كذلك بالنتيجة المترتبة على مخالفة هذا التكليف وهي توقيع الجزاء الجنائي المحدد بالنص.


ويكفل هذا الوضوح والتحديد في نصوص التجريم والعقاب حجب القاضي الجنائي عن إعمال القياس حال اضطراره إلى تفسير النصوص الجنائية فيما يعرض عليه من قضايا جنائية. ولحسن العرض والتنظيم يمكن تناول المبدأ من خلال التقسيم التالي:


  • وجوب أن تصدر قواعد القانون الجنائي في صورة مواد قانونية مكتوبة.
  • وجوب وضوح الصياغة التشريعية للقواعد الجنائية.
  • أحكام المحكمة العليا الأمريكية بشأن وضوح النصوص الجنائية.
  • قرارات المجلس الدستوري الفرنسي بشأن وضوح نصوص مواد التجريم والعقاب.
  • أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن وضوح نصوص قانون العقوبات.


مبدأ وضوح نصوص القانون الجنائي:


القانون الجنائي قانون مكتوب: إن أول ما يفرضه مبدأ الشرعية الجنائية على المشرع حين يُحَمِّل الأفراد بالتكليف الجنائي، أن يأخذ هذا التكليف صورة النص المكتوب، فالنص التشريعي وحده هو الذي ينشئ الجريمة الجنائية، ويحدد العقوبة المقررة لها على سبيل الحصر.


فلا يمكن أن تنشأ الجريمة الجنائية من القواعد العرفية أو قواعد العدالة أو مبادئ حقوق الإنسان أو قواعد الأخلاق أو الدين أو أي مصدر آخر مهما بلغت قوته، ومهما بلغ سلوك معين من الدناءة.

طالما لم يترجم الاستهجان الاجتماعي لهذا السلوك في صورة نص تشريعي مكتوب وموجَّه من المشرع إلى القاضي الجنائي لتنفيذه.


مع عدم إنكار ما يمكن أن يكون لهذه القواعد من أدوار مساعدة للقانون الجنائي، فقد يلجأ القاضي الجنائي في القضايا الجنائية إلى العرف لتحديد مضمون بعض المصالح الاجتماعية أو الفردية الواردة بالقانون، والتي يجرم المشرع الاعتداء عليها ويختلف مدلولها باختلاف الزمان والمكان.


ومن أمثلة ذلك: الأمن العام والحياء العام. كما قد يكون شق التكليف بالكامل موجود في قانون غير جنائي استعان بشق الجزاء فقط من القاعدة الجنائية لتوفير الحماية القوية لقواعده.

ففي هذه الحالة يلجأ القاضي الجنائي لقواعد القانون غير الجنائي التي قد توجهه بدورها إلى العرف وقواعد العدالة وصولاً إلى مسئولية الفاعل.


ضرورة وضوح الصياغة التشريعية للقواعد الجنائية:


كما يفرض مبدأ الشرعية الجنائية على عاتق المشرع التزاماً بصياغة نصوص التجريم والعقاب على نحو واضح ومحدد، لا يثير لبساً، ولا يفتح الباب أمام الجدل، ولا ينصب شراكاً لمباغتة الأفراد والإيقاع بهم.


فالصياغة الغامضة - سواء كانت متعمَّدة أم وليدة تسرع أو نقص في الخبرة - تفوت الغرض المقصود من المبدأ، وتفقده دوره في حماية الحريات الفردية، وتفتح الباب أمام تحكم القضاة في فهم وتطبيق النصوص كما يروق لهم تحت ستار تفسيرها.


فالقيود التي تفرضها القوانين الجزائية على الحرية الشخصية تقتضي أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل في شأن حقيقة محتواها ليبلغ اليقين بها حداً يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية، وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء، وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها.


مفهوم مبدأ وضوح النصوص الجنائية في قضاء المجلس الدستوري الفرنسي:


وقد عبَّر المجلس الدستوري الفرنسي عن هذا المبدأ في قوله بضرورة أن يعرف المشرع الجرائم في عبارات واضحة ومحددة بطريقة كافية، وذلك لاستبعاد التحكم، وقضى بأن القانون يجب أن يعرف الأركان المكونة للجريمة في عبارات واضحة ومحددة.

فإذا عاقب المشرع على جريمة معينة دون تحديد أركانها التي تقوم عليها، فإن النص التشريعي الذي تضمنه القانون في هذا الشأن يكون غير مطابق للدستور.


كما أكد المجلس الدستوري الفرنسي أن وصول العلم بالقانون لدى المخاطبين به يعد قيمة دستورية في حد ذاتها تنبع من مبدأ المساواة أمام القانون، فهذه المساواة يمكن أن تقل فاعليتها إذا لم يكفل للمواطنين علم كاف بالقواعد القانونية المطبقة عليهم.

ومن ثم؛ فإن هذا العلم يعتبر ضرورياً لممارسة الحقوق والحريات التي يحميها الدستور.


وأضاف المجلس الدستوري أن مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون يكمله التزام الدولة بكفالة العلم به، وأن التزام الأفراد بالعلم بالقانون ينبع من الناحية الدستورية من واجب السلطة العامة في ضمان العلم بالقانون.


وعلى هذا النحو، فإن الحقوق والحريات لا تجد حمايتها فقط من خلال مضمون القواعد القانونية وإنما يتعين كذلك أن تجد هذه الحماية من خلال توفير السبل الفعَّالة للعلم بالقانون.


الربط بين ضرورة وضوح النصوص العقابية ومبدأ الشرعية الجنائية:


وقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي أن التزام الهيئة التشريعية بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات هو الذي يفرض على السلطة التشريعية صياغة النصوص الجنائية بشكل واضح ودقيق، بما يكفل تجنب القسوة والصرامة الغير مبررة عند ملاحقة المجرمين.


ودائماً ما يقرن المجلس الدستوري الفرنسي في كافة أحكامه تقريباً بين مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وضرورة صياغة نصوص التجريم والعقاب بوضوح ودقة في عبارات محددة يقيناً.


ولا يعني ذلك بالطبع أنه يتعين على المشرع أن يُفصِّل أي فعل يعاقب عليه حتى لو كان واضحاً بذاته. فهناك من الأفكار ما هو مفهوم بذاته ولا يحتاج إلى إيضاح، كما لو تحدث المشرع عن تجريم فعل القتل، فالجميع يعرف القتل دون انتظار لإيضاح من المشرع.


ولكن المقصود أن يكون النص بعيداً عن الغموض وعدم قدرة المخاطبين به على إدراك حقيقة أحكامه، كما أن الوضوح المطلوب لا ينصرف فقط إلى عبارة النص، وإنما يتعلق أيضاً بالمعنى والفكرة التي تنبثق عن النص.


فلا يجوز الاعتماد على مجرد الوضوح اللغوي الذي قد لا يتفق مع الفكر الحقيقي للقانون، كما يبدو من مجموع نصوصه، وتاريخه، وأعماله التحضيرية، وتطوره الاجتماعي والعلمي والفلسفي. فإطار القانون لا يتحدد بشكل جامد، وذلك باعتبار أنه قد صنع من أجل المستقبل.


تطبيق مبدأ وضوح النصوص الجنائية في قضاء المحكمة العليا الأمريكية:


وقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية أن النصوص العقابية يجب أن تعرف الفعل المجرم تعريفاً يكفل للشخص العادي أن يفهم ماهية الفعل الذي يحظر الشارع ارتكابه، وأن يجري النص على هذه الأفعال على نحو لا يؤدى إلى التحكم أو التمييز.


وقضت المحكمة الفيدرالية العليا بناء على ذلك بأن: النص الجنائي الذي يعرف الجرائم العنيفة بأنها تلك الجرائم التي تشتمل على سلوك يمثل خطراً كبيراً محتملاً بإصابة جسدية لشخص آخر، هو نص غير دستوري يحمل تجريماً واسعاً وغير محدد في مضمونه.


فالنصوص الجنائية لا يجوز إقرارها إلا إذا كان مضمونها كاشفاً عن حقيقتها ونطاق تطبيقها، ومتضمناً إخطاراً كافياً في شأن دلالتها، فلا يجوز أن يلاحق أحد عن أفعال لم يجرمها المشرع، ولا عن أفعال أغفل تقرير عقوباتها التي لا ينفصل التجريم عنها،

ولا أن يجهل المشرع بالأفعال التي أثمها، فلا يكون بنيانها جلياً، ولا تحديدها قاطعاً أو فهمها مستقيماً، ومن ثم يلتبس معناها على أوساط الناس الذين لا يتميزون بعلو مداركهم ولا يتسمون بانحدارها.


الربط بين ضرورة وضوح نصوص القانون الجنائي وشرط الوسائل القانونية السليمة:


وقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية سنة 1999 أن اشتراط الوضوح في النصوص الجنائية يتطلبه شرط الوسائل القانونية السليمة " Due Process of law " المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي.


وتطبيقاً لذلك؛ قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية قانون أصدرته ولاية شيكاغو يهدف إلى السيطرة على شوارع الولاية ضد العصابات، كان يعرِّف سلوك " التسكع " على أنه: " البقاء في أي مكان دون أي غرض ظاهر".


ورأت المحكمة أن هذا التعريف لا يعطي للناس إشعاراً مناسباً بما هو محظور وما هو مسموح، كما أنه يعطي لموظفي إنفاذ القانون سلطة تقديرية مفرطة في تقرير الأنشطة التي تشكل التسكع، ولذلك؛ فهو غامض بشكل غير دستوري.


كما قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية بعدم دستورية بعض نصوص قانون خاص بآداب الاتصالات لحماية القصَّر من الاطلاع على المواد المخلة بالآداب،

تأسيساً على أن استخدام القانون لعبارات مثل " غير أخلاقي"، و" معاني مهينة "، يتسم بالعمومية والغموض وعدم التحديد وهو ما يتعارض مع المبادئ الدستورية للتجريم الجنائي.


وقضت أيضاً بأن: النص الذي يعرف الجناية العنيفة بأنها تلك التي تنطوي على سلوك يمثل خطراً جسيماً محتملاً يتمثل في إصابة جسدية بآخر، هو نص غامض بشكل غير دستوري.


متى يكون النص الجنائي غامضاً وغير واضح المضمون؟


وفي غموض النص الجنائي تقول المحكمة الدستورية العليا أن:

" غموض النص العقابي يعني أن يكون مضمونه خافياً على أوساط الناس باختلافهم حول فحواه ومجال تطبيقه وحقيقة ما يرمي إليه، فلا يكون معرفاً بطريقة قاطعة بالأفعال المنهي عن ارتكابها، بل مجهلاً بها ومؤدياً إلى انبهامها.

وغموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة تحدد لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه. كذلك فإن غموض النص العقابي يحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية لا ينبغي التهوين منها.

ويقع ذلك لأن تطبيقه يكون انتقائياً منطوياً على التحكم في أغلب الأحوال وأعمها، ولأن المواطنين الذين اختلط عليهم نطاق التجريم والتَوَت بهم مقاصد المشرع، يقعدون عادة - حذر العقوبة وتوقياً لها - عن مباشرة الأفعال التي داخلتهم شبهة تأثيمها ".


ولا شك أن غموض النص يؤثر على وظيفة قانون العقوبات في الردع والتوجيه، فتساؤل الناس عن معنى النص ومفهوم الفعل الذي يراد منهم تجنبه، ينقلهم إلى التساؤل عن قيمة النص نفسه.


تطبيقات المحكمة الدستورية العليا في مصر لمبدأ وضوح نصوص قانون العقوبات:


تطبيقاً لقاعدة ضرورة وضوح النصوص الجنائية؛ قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (450) لسنة 1986 بإنشاء محميات طبيعية بمنطقة جبل علبة بالبحر الأحمر.

إذ نص القرار المذكور على أن المحميات الطبيعية وفقاً لأحكامه، هي تلك المبينة حدودها وفقاً للخريطة المرفقة به، ولم يتم نشر هذه الخريطة.


فقدرت المحكمة الدستورية أن:

" تأثيم المشرع لحالات بذواتها حال وقوعها في مكان معين، مؤداه أن تعيين حدود هذا المكان بما ينفي التجهيل بأبعاده شرط أولي لصون الحرية الفردية التي أعلى الدستور قدرها، فقد علق المشرع تأثيم هذه الأفعال على ارتكابها في مكان معين، بحيث يكون اتصال هذه الأفعال بذلك المكان شرطاً لتأثيمها، ويعتبر وقوعها في غيره نافياً وصف التجريم عنها.

وحيث ان قرار رئيس مجلس الوزراء المطعون فيه قد أحال في شأن تعيين حدود المحميات الطبيعية التي عينها إلى خريطة تبين موقعها، إلا أنها لم تنشر، وظل خافياً بذلك النطاق المكاني الذي تمتد إليه تلك المحميات على صعيد المياه البحرية، فإن القرار المطعون فيه يكون مفتقراً إلى خاصية اليقين التي تهيمن على التجريم ".


وقد اعتمدت المحكمة الدستورية العليا في تسبيب قضائها بعدم دستورية العديد من النصوص الجنائية على معيار عدم الوضوح والدقة، ومن ذلك:


  1. حكمها بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (15) من قانون الأحزاب السياسية رقم (40) لسنة 1977.
  2. وحكمها بعدم دستورية نص المادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم (98) لسنة 1945 المعدلة بالقانون رقم (195) لسنة 1983 بـشأن المـتشردين والمـشتبه فيـهم لأن تـجـريم الاشـتباه افتقد الوضوح اللازم.


المصادر:

  1. Johnson v. United States, 529 U.S. 694 (2000).
  2. Johnson v. United States, 576 U.S. (2015).
  3. McBoyle v. United States, 283 U.S. (1931).
  4. Chicago v. Morales, 527 U.S. 41 (1999).
  5. 2004-492 DC, 2 mars 2004, cons. 5, Journal officiel du 10 mars 2004 page 4637, texte n° 4, Rec. p. 66.

  

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -