أخر الاخبار

تفسير نصوص القانون الجنائي : التفسير الغائي والتفسير الضيق والموسع

تفسير نصوص القانون الجنائي:


مقدمة: تنعكس قيمة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات بوضوح على الضوابط التي يخضع لها تفسير نصوص قانون العقوبات، وتضفي على ذلك التفسير ذاتية خاصة تميزه عن تفسير سائر النصوص القانونية المكتوبة.


تفسير نصوص قانون العقوبات, تفسير النصوص الجنائية, التفسير الضيق لنصوص التجريم والعقاب, التفسير الغائي للنص الجنائي
تفسير نصوص القانون الجنائي : التفسير الغائي والتفسير الضيق والموسع

والتفسير: هو تحديد المعنى الذي يقصده الشارع من ألفاظ النص لجعله صالحاً للتطبيق على وقائع الحياة. والحاجة إلى التفسير تنبع من كون النصوص القانونية تتسم بالتجرد ومن الصعوبة أن تتحقق الملاءمة الكاملة بين الفكر والتعبير عنه.


أنواع التفسير للنصوص الجنائية: التفسير التشريعي والتفسير القضائي والتفسير الفقهي:


التفسير التشريعي: تفسير النصوص القانونية إما أن يكون تشريعياً ضمن نصوص القانون، ويكتسب في هذه الحالة القوة الإلزامية للقانون لكونه نصاً تشريعياً صريحاً.


التفسير القضائي: وإما أن يكون قضائياً تباشره محكمة الموضوع وهو تفسير غير ملزم، يجوز للمحكمة العدول عنه في ظروف مختلفة.

إلا إذا كان التفسير القضائي صادراً عن المحكمة الدستورية العليا بناء على اختصاصها بمقتضى نص المادة (26) من قانونها، ففي هذه الحالة يصبح التفسير القضائي ملزماً.

وبالتالي؛ فإن التفسير الملزم لنصوص القانون الجنائي لا يأتي إلا من مصدرين هما: التفسير التشريعي الصادر عن المشرع، والتفسير القضائي الصادر عن المحكمة الدستورية العليا.


التفسير الفقهي: وأخيراً، قد يكون التفسير فقهياً يهدف إلى الوصول بالنص إلى أفضل صورة في التطبيق، مقدماً العون للمشرع بشأن ملائمة تعديل النص أو إكمال ما به من قصور، ومعاوناً للقاضي على حسن إعمال النص على ما يعرض عليه من وقائع وقضايا.


التفسير الموسع والتفسير المضيق لنصوص التجريم والعقاب:


وينقسم التفسير من حيث مداه إلى تفسير موسع وتفسير مضيق، بحيث يوسع الأول من مجال النص ليدخل إليه وقائع أو أشخاص لا يفصح عنهم ظاهر النص للوهلة الأولى، أما التفسير المضيق فهو الذي يحجم مجال النص ويقصر تطبيقه على نطاق قد يكون أقل مما يفصح عنه ظاهر النص.


لماذا قد يلجأ القاضي الجنائي إلى التفسير فيما يعرض عليه من قضايا جنائية؟


كثيراً ما يلجأ القاضي الجنائي إلى تفسير نصوص قانون العقوبات حيث لا تقدم له السلطة التشريعية قوانين مُحكمة من حيث إتقان الصياغة ووضوح الألفاظ وتحديد المعنى.


لاسيما وأن ظاهرة التضخم التشريعي وزيادة الاستعانة بسلاحي التجريم والعقاب في ضبط السلوك الاجتماعي الذي تتعقد صور انحرافه بمرور الوقت، تلقي أمام القاضي الجنائي مزيداً من العوائق في طريقه نحو معرفة الإرادة الحقيقة للمشرع.


التفسير الغائي لنصوص قانون العقوبات:


وبناء على ما تقدم؛ فإن منهج القاضي الجنائي في تفسير نصوص التجريم والعقاب هو البحث عن إرادة المشرع من النص بالنظر إلى المصلحة المحمية والوسائل المناسبة لتحقيق هذه الحماية، فيما يعرف بـ " التفسير الغائي " الذي يرتكز على غاية المشرع من النص.


دونما تحميل للنصوص بأكثر مما تحتمل، أو خلق جرائم جديدة تحت ستار تفسير النص، أو مد نطاق تطبيقه إلى وقائع مشابهة. فيجب دوماً ألا يغيب عن ذهن القاضي أن النص الواضح الصريح في شكله ومضمونه يجب إعماله كما هو دون المساس به.

وهو الأصل العام التزاماً بمبدأ الشرعية الجنائية.


كما يلتزم القاضي الجنائي باحترام قواعد الدستور أثناء تفسيره للقواعد الجنائية، حتى يكون تفسيره مطابقاً للدستور. ولا يقتصر الأمر على مجرد تحقيق هذه المطابقة،

بل يتجاوزه إلى إيجاد مصداقية التفسير التي تعبر عن إرادة المشرع الواعية المتطورة. فالحقوق والحريات تتلقى مظلة حمايتها من الدستور ذاته، وما التشريع إلا منظم لهذه الحماية.


التفسير الضيق لنصوص القانون الجنائي:


وعلى الرغم من تأكيد الفقه الجنائي الحديث على أن منهج التفسير الضيق لقواعد التجريم والعقاب، لا يعد المنهج القويم في هذا الشأن، ولا يحقق كافة أهداف القاعدة الجنائية، ويقوم على مفترض غير موجود عملياً وهو وجود تشريعات متقنة شكلاً وموضوعاً،

ويفرض قيوداً تحكمية على النشاط الذهني للمفسر، فضلاً عن أنه يقوض النص القانوني ويجعله عاجزاً عن مواجهة صور مختلفة للاعتداء على المصلحة التي يحميها.


نجد أن القضاء الدستوري قد أكد على ضرورة تفسير نصوص التجريم والعقاب تفسيراً ضيقاً، حيث قررت المحكمة الدستورية أن: " قاعدة التفسير الضيق في شأن النصوص القانونية، تفترض أن يكون الجزاء على مخالفتها جنائياً ".

فالنصوص الجنائية " تضبطها مقاييس صارمة ومعايير حادة تلتئم مع طبيعتها " على حد وصف المحكمة الدستورية العليا.


كما أن قانون العقوبات الفرنسي الجديد ينص في مادته رقم 111-4 على أن: " قانون العقوبات يحكمه مبدأ التفسير الضيق ".

وهو ما ناصره المجلس الدستوري الفرنسي حين أكد أن قانون العقوبات يحكمه مبدأ التفسير" الصارم "، وأكد على أن القاضي عليه أن يلتزم بالتفسير المحدد والدقيق لنصوص التجريم والعقاب أثناء نظر القضايا الجنائية.


كما التزمت المحكمة العليا الأمريكية بمنهج التفسير الضيق لنصوص التجريم والعقاب في تعريفها لجرائم العنف بقضية Begay V. United States،

إذ تعرضت لتفسير المقصود بعبارة (جريمة تتسم بالعنف) الواردة في قانون الأعمال المسلحة، حيث كان هذا القانون يقرر عقوبة السجن لمدة خمسة عشر عاماً لمن يدان عن جريمة حيازة سلاح ناري بدون ترخيص، وذلك إذا ثبت سبق ارتكاب المتهم ثلاثة أو أكثر من الجرائم المتسمة بالعنف.


وقد عرَّفت نصوص هذا القانون الجريمة المتسمة بالعنف بأن أوردت بعض الأمثلة لها، ومن ذلك جريمة السطو المسلح، والحرق العمدي، والاغتصاب، وتلك الجرائم التي تشتمل على استعمال متفجرات، وجميعها من الجرائم التي تتضمن سلوكاً إجرامياً يحمل قدراً كبيراً من الخطورة والعنف.

وبناء على هذا التفسير؛ رفضت المحكمة تطبيق النص على المتهم رغم سبق إدانته لأكثر من ثلاث مرات في جرائم القيادة في حالة سكر، إذ أن جريمة القيادة أثناء السكر ليست من الأمثلة التي عددها القانون المطعون عليه لجرائم العنف.


هل يتعارض منهج التفسير الغائي للنصوص الجنائية مع التفسير الضيق؟


لا يوجد تعارض بين موقف الفقه من ترجيح الأخذ بمنهج التفسير الغائي في تفسير نصوص التجريم والعقاب تحقيقاً لغرض المشرع من القاعدة الجنائية مع الالتزام بمبدأ الشرعية الجنائية حال وضوح النص.

وموقف القضاء الدستوري الذي يعلن وجوب تفسير نصوص التجريم والعقاب تفسيراً ضيقاً ومحدوداً.


فالقضاء الدستوري - بحكم مهمته الرئيسية في حماية مبادئ دولة القانون وفقاً لنصوص الدستور - يتحدث من زاوية حماية حقوق وحريات الأفراد داخل الدولة، وينطق بلسان مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في المقام الأول.

فهو لا يعني بالتفسير الضيق الالتزام الحرفي بالنص القانوني كقاعدة صماء، وإنما يؤكد على الحذر والدقة في تفسير النصوص الجنائية، والالتزام الدائم بعدم تجاوز نطاق التجريم لحدود النص وفقاً لإرادة المشرع.


ويؤيد ذلك قول المحكمة الدستورية العليا ذاتها في إحدى الدعاوى الموجهة ضد نصوص جنائية تتضمن قواعد للتجريم والعقاب، قررت فيها المحكمة أنه:

" من المقرر قانوناً، أن العبارة التي يفرغ المشرع فيها أحد النصوص القانونية، إنما يتعين فهمها على ضوء المعنى الذي يستخلص منها عادة، وفق موضوعها وبمراعاة سياقها، وبالنظر إلى الأغراض التي توخاها المشرع من مجموع النصوص التي أتى بها ".


كما قررت المحكمة أن:

" النصوص الجنائية لا يجوز تفسيرها بما يخرجها عن معناها أو مقاصدها، ولا مد نطاق التجريم - وبطريق القياس - إلى أفعال لم يؤثمها المشرع، بل يتعين دوماً - وكلما كان مضمونها يحتمل أكثر من تفسير- أن يرجح القاضي من بينها ما يكون أكثر ضماناً للحرية الشخصية،

وذلك في إطار علاقة منطقية يقيمها بين هذه النصوص وإرادة المشرع، سواء في ذلك تلك التي أعلنها، أم التي يمكن افتراضها عقلاً ". وهو ما يصب في معين التفسير الغائي.


تفسير النصوص الجنائية في قضاء المحكمة العليا الأمريكية:


وقد قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن: استخدام الكونجرس لمصطلح"cocaine base"  في قانون التجريم، وهو يعني القاعدة الكيميائية أو الصورة الكيميائية المركزة لمادة الكوكايين، يجب أن يفهم على أنه يشمل كافة الصور التي يمكن أن تتخذها مادة الكوكايين.


وفي قضية United States v. Ahmed Ressam قررت المحكمة العليا أن وضع المتهم للمتفجرات في سيارته، وعبوره للحدود الكندية الأمريكية بطريقة غير مشروعة، يكفي لأن يواجه تهمة حمل المتفجرات أثناء ارتكاب جناية،

حتى لو كان غرضه الأساسي من حمل تلك المتفجرات هو تفجيرها في مطار لوس أنجلوس في ليلة رأس السنة، ولا علاقة لها بجريمة دخول البلاد بطريقة غير مشروعة.


وكان رأي الأغلبية أن الكونجرس لم يقصد أبداً أن تكون هناك علاقة مباشرة بين استخدام المتفجرات والجريمة التي يسأل عنها الشخص، وإنما جرَّم حمل المتفجرات أثناء ارتكاب جناية وهو ما تحقق بالفعل.


وهو ما سبق وأن أكدته المحكمة العليا الأمريكية بشأن جريمة حمل السلاح أثناء ارتكاب جريمة الاتجار بالمخدرات، إذ قضت المحكمة بانطباق نص التجريم حتى لو لم يكن السلاح ظاهراً أو كان في صندوق سيارة، تنفيذاً لقصد المشرع الذي اتجه إلى تجريم فعل " حمل السلاح " في ذاته.


تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -