أخر الاخبار

هل تصلح المعاهدات والاتفاقيات الدولية مصدر مباشر للتجريم والعقاب؟

هل تعتبر الاتفاقيات والمعاهدات الدولية من مصادر القانون الجنائي؟


يثير الالتزام بمبدأ الشرعية الجنائية وما يترتب عليه من مبدأ انفراد التشريع - واللوائح في حدود معينة - بوضع نصوص التجريم والعقاب، التساؤل حول مدى صلاحية الاتفاقيات الدولية التي تبرمها الدولة أو الإعلانات والمواثيق الدولية التي تصدق عليها، لتشكل مصدراًلقواعد التجريم والعقاب.

ومدى القوة القانونية لنصوص الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الوطني، ومدى جواز إخضاع المعاهدات الدولية لرقابة القضاء الدستوري.


القوة القانونية للمعاهدات الدولية في مواجهة القانون الداخلي, هل تصلح المعاهدات والاتفاقيات الدولية مصدر مباشر للتجريم والعقاب؟
هل تصلح المعاهدات والاتفاقيات الدولية مصدر مباشر للتجريم والعقاب؟


فقد تكون المعاهدة الدولية ي مرتبة أقل من القانون أو في مرتبة متساوية معه، وقد تبلغ القوة القانونية لنصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية نفس قوة نصوص القانون، بل وقد تعلو قيمتها القانونية قيمة الدستور ذاته كما هو الحال في النظام السويسري.


ويتعرض المقال التالي للقوة القانونية للمعاهدات الدولية ومدى صلاحيتها باعتبارها مصدراً لقواعد القانون الجنائي في النظام المصري والأمريكي والفرنسي والسويسري.


موقف القضاء الدستوري من الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية:


وقد ميزت المحكمة الدستورية العليا في رقابتها للاتفاقيات الدولية بين نوعين من الاتفاقيات الدولية، فهناك اتفاقيات دولية اعتبرتها المحكمة الدستورية العليا من قبيل أعمال السيادة، وأخرجتها بالتالي من نطاق رقابتها الدستورية، لعدم ملاءمة إخضاع مثل هذه الأعمال للرقابة القضائية.

وبررت المحكمة الدستورية ذلك بقولها:

" إذا كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح تجد أساسها - كأصل عام - في مبدأ الشرعية وسيادة القانون وخضوع الدولة له، إلا أنه يرد على هذا الأصل - وفقاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - استبعاد " الأعمال السياسية " من مجال هذه الرقابة القضائية تأسيساً على أن طبيعة هذه الأعمال تأبى أن تكون محلاً لدعوى قضائية ".


ومثل هذا النوع من المعاهدات يغلب عليها الطابع السياسي وتخلو من قواعد قانونية بالمعنى الفني الذي يؤهلها لتكون جزءاً من المنظومة التشريعية.


أما النوع الثاني من الاتفاقيات الدولية التي يمكن الحديث عنها في إطار مصادر التجريم والعقاب، هي الاتفاقيات الدولية التي تتضمن نصوصاً للتجريم والعقاب، واتفاقيات حقوق الإنسان بمختلف صورها، باعتبارها رافداً أساسياً للحقوق والحريات العامة.

فهذه النوعية من الاتفاقيات الدولية هي التي يمكن أن تخضع لرقابة المحكمة الدستورية العليا، بعد استيفائها لشروط إبرامها والتصديق عليها، ونشرها وفقاً للأوضاع المقررة.


القوة القانونية للمعاهدات الدولية كمصدر لقواعد التجريم والعقاب:


وتكتسب أحكام المعاهدة الدولية وأسلوب صياغتها أهمية خاصة في مجال القانون الجنائي، بالنظر إلى الذاتية الخاصة التي يتميز بها هذا القانون.

سواء من حيث اعتباره أحد المظاهر الهامة التي تعبر عن سيادة الدولة في أجَلّ معانيها، أو من حيث أنها تعكس سياسة التجريم والعقاب التي ترسمها الدول في سبيل حماية سيادتها وأمنها وأمن أفرادها وحرياتهم.


ولهذا، كان أقصى دور يمكن أن تتبوأه المعاهدة الدولية في مجال التجريم والعقاب هو تحديد شق التكليف فقط من القاعدة الجنائية دون شق الجزاء.

أما بالنسبة لقواعد الإباحة أو الإعفاء أو التخفيف من العقاب، فإن المعاهدة الدولية يمكن أن تكون مصدراً مباشراً للقوانين الجنائية الداخلية، لأن قواعد الإباحة أو الإعفاء أو التخفيف لا تحتاج ذات التحديد الذي تتطلبه قواعد التجريم والعقاب.


نصوص الاتفاقية الدولية لابد أن تترجم في صورة تشريع وطني داخلي:


وتلتزم الدولة من خلال سلطتها التشريعية بتنفيذ التزامها الدولي المعقود بمقتضى الاتفاقية الدولية بما يتفق مع مبدأ الشرعية الجنائية، الأمر الذي يتعين معه على التشريع الوطني أن يورد نصوصاً واضحة عن تعريف الجريمة وأركانها وعقوباتها.


وعلى هذا النحو، تظل الاتفاقية الدولية التي لا تتكفل نصوصها بتحديد الجرائم والعقوبات، مصدراً غير مباشر للتجريم والعقاب، وإنما يكون التشريع الوطني وحده هو المصدر إذا أدمج الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية داخل التشريع وأفرد لها العقوبات المناسبة لها.


ويستفاد من ذلك؛ أن الغلبة لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مواجهة الاتفاقيات الدولية، طالما أن نصوصها لم تترجم بعد من خلال تشريع داخلي لتصبح مصدراً مباشراً للتجريم والعقاب.

كما أن نصوص المعاهدات والمواثيق الدولية لا تصلح - كأصل عام - لأن تكون مناطاً لرقابة دستورية نصوص التجريم والعقاب طالما أن التشريع لا يخالف نصّاً دستورياً، فلا يمكن النعي على دستورية نص قانوني لدى القضاء الدستوري لمخالفة ذلك النص لأحكام وردت في اتفاقية دولية.


إلا أن الدستور المصري لسنة 2014 استحدث استثناءً هاماً على هذا الأصل بموجب نص المادة (93) منه الذي قرر أن: " تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنـسان التـي تصدق عليـها مـصر، وتـصبح لها قـوة الـقانون بعد نـشرها وفقاً للأوضاع المقررة ".


وقد فسرتها المحكمة الدستورية العليا بقولها أن:

" الدستور الحالي حرص في المادة (93) منه على جعل التزام الدولة باحترام الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر التزاماً دستورياً، بموجبه تلتزم الدولة بالتوفيق بين تعهداتها الناشئة عن هذه الاتفاقيات، وقوانينها الداخلية، بحيث يعتبر نكوسها عن ذلك أو تراخيها فيه إخلالاً بالتزام دستوري يصادم أحكام الدستور ذاته ".


وبالتالي، اعترف القضاء الدستوري بالحق في مخاصمة النصوص القانونية بالدعوى الدستورية، بناء على مخالفة هذه النصوص مباشرة للأحكام الواردة باتفاقية أو معاهدة دولية تتعلق بحقوق الإنسان.


وإذا تعارض نص في قانون العقوبات مع أحد نصوص المعاهدات الدولية، فإنه يسري على هذا النص القواعد التي تحكم تطبيق قانون العقوبات من حيث الزمان بما في ذلك عدم رجعية قـانون العـقوبات ورجعية القانون الأصلح للمـتهم، وذلك باعتبار أن المعاهدات تأخذ قوة القـانـون.


مع الأخذ في الاعتبار؛ وجوب تفعيل قواعد الحماية الجنائية لحقوق الإنسان في مجال التجريم والعقاب، حتى لا ينال منها - وبالتالي من الحماية التي تقررها لحقوق الإنسان من عدوان السلطة العامة - أي تصرف من السلطات العامة تنتهك به حقاً أو أكثر من حقوق الإنسان،

وتلبسه ثوب التشريع الداخلي بمقولة أنه لاحق على نفاذ قواعد الشرعة الدولية في نظامها القانوني، أو أنه خاص لما ورد من عموم فيها أو مقيد لما جاء فيها مطلقاً.


فارتقاء وسمو قواعد الحماية الجنائية لحقوق الإنسان ذات الطابع الدولي في تزايد مستمر، بل أن الأمر وصل ببعض الدول إلى تغليبها على نصوص الدستور ذاته.


القوة القانونية للمعاهدات الدولية قد تتساوى مع القانون وقد تعلو على الدستور ذاته:


فالمحكمة الاتحادية السويسرية أرست مبدأً جديداً في حكمها الصادر بتاريخ 12/10/2012 قررت بمقتضاه تطبيق المادة الثامنة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بشأن حماية الحياة الخاصة والعائلية، وامتنعت المحكمة عن تطبيق أحد نصوص الدستور السويسري.


وهو نص الفقرة الثالثة من المادة (121) الذي يقضي بإبعاد الأجنبي المقيم في سويسرا إذا صدر ضده حكم بالإدانة في إحدى الجرائم، من بينها جريمة الإتجار في المخدرات، وحرمانه من العودة إلى سويسرا لمدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد عن خمس عشرة سنة، حتى ولو كانت لديه عائلة في سويسرا.


وأسست المحكمة الاتحادية السويسرية حكمها على عدد من الأسانيد، من أهمها أن نص هذه المادة يتعارض مع نص المادة الثامنة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الحياة الخاصة والعائلية،

كما يتعارض مع العهد المدني للحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية بشأن حقوق الطفل، بالإضافة لاتفاقية فيينا المنظمة للمعاهدات الدولية.


القوة القانونية للمعاهدات الدولية في النظام الفرنسي والنظام الأمريكي: 


وفي فرنسا، تسبغ المادة (55) من دستور 1958 على المعاهدة، بعد الموافقة عليها بواسطة السلطة المختصة ونشرها في الجريدة الرسمية، قيمة قانونية أعلى من قيمة القانون، وذلك بشرط المعاملة بالمثل، أي بشرط اعتبارها كذلك في الدول الأخرى الموقعة على المعاهدة.


لذا فإن مبدأ تدرج القواعد القانونية يحتم على المحاكم أن تمتنع عن تطبيق القانون وتغليب المعاهدة عليه باعتبارها أعلى مرتبة من القانون في حالة التعارض، وسواء كانت هذه المعاهدة سابقة على صدور القانون أم لاحقة عليه.


أما المحكمة العليا الأمريكية، فقد قررت أنه حتى إذا كانت المعاهدة الدولية تشكل التزاماً دولياً، إلا أنها ليست قانوناً محلياً ملزماً ما لم يقم الكونجرس بسن تشريع لتطبيقها، أو ما لم تكن المعاهدة نفسها " ذاتية التنفيذ " أي قابلة للتطبيق من تلقاء نفسها.


وبناء على ذلك؛ قضت بعدم انطباق القانون الفيدرالي لتنفيذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية على محاولة امرأة من ولاية بنسلفانيا استخدام السموم الخفيفة لإحداث طفح جلدي على شخص آخر، لأن الكونغرس لم يعط إشارة واضحة على نيته الوصول إلى جرائم محلية بحتة.


المصادر:

  1. Medellin v. Texas, 552 U.S. 491 (2008)
  2. Bond v. United States, 572 U.S. (2014)
  3. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 17 لسنة 11 قضائية دستورية، جلسة 6/4/1991، الجريدة الرسمية، العدد 17، الصادر في 27 أبريل لعام 1991.
  4. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 43 لسنة 7 قضائية دستورية، جلسة 7/3/1992، الجريدة الرسمية، العدد 14، الصادر في 2 أبريل لعام 1992.
  5. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 3 لسنة 19 قضائية دستورية، جلسة 1/8/1998، الجريدة الرسمية، العدد 33، الصادر في 13 أغسطس لعام 1998.
  6. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 10 لسنة 14 قضائية دستورية، جلسة 19/6/1993، الجريدة الرسمية، العدد 27 (تابع)، الصادر في 8 يوليو لعام 1993.
  7. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 154 لسنة 32 قضائية دستورية، جلسة 2/11/2019، الجريدة الرسمية، العدد 44 مكرر (هـ)، الصادر في 5 نوفمبر لعام 2019.
  8. حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 114 لسنة 29 قضائية دستورية، جلسة 14/1/2017، الجريدة الرسمية، العدد 3 مكرر (هـ)، الصادر في 24 يناير لعام 2017.
  9. د/ علي عبد القادر القهوجي، المعاهدات الدولية أمام القاضي الجنائي، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، 1997.
  10. د/ يسري محمد العصار، سمو المعاهدات الدولية بشأن حقوق الإنسان على الدستور في سويسرا، مجلة الدستورية، العدد الثلاثون، أكتوبر 2016.
  11. د/ يسري محمد العصار، الجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة على الدستورية في فرنسا بمقتضى التعديل الدستوري لعام 2008، مجلة الدستورية، العدد السادس عشر.

 

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -