أخر الاخبار

وظائف القانون الجنائي ودوره الاجتماعي وعلاقته بغيره من القوانين


للقانون الجنائي أهمية كبرى في دولة القانون: فهو من أهم القوانين في النظام القانوني العام إن لم يكن أهمها علىالإطلاق. فـ وظائف القانون الجنائي معقدة ودور القانون الاجتماعي في المجتمع متطور ومتغير كما أن علاقة القانون الجنائي بغيره من القوانين ذات أهمية خاصة.

 

  • تطور وظائف القانون الجنائي.
  • دور القانون الجنائي في المجتمع.
  • علاقة القانون الجنائي بالقوانين الأخرى داخل الدولة.

 

وظائف القانون الجنائي ودور القانون الجنائي في المجتمع  وعلاقته بغيره من القوانين
وظائف القانون الجنائي ودوره الاجتماعي وعلاقته بغيره من القوانين

 

 

وظائف القانون الجنائي:

 

إن وظائف القانون الجنائي criminal law function تزداد تعقيدا بمرور الوقت، ويمكن القول إن وظائف القانون الجنائي تتمحور حول تحقيق العدالة، وتحقيق الأمن، وتحقيق المصالح المشتركة للمجتمع.


كما ان وظائف القانون الجنائي criminal law functions بشكل عام تحمل عبئا أعمق يتمثل في إقامة الموازنة بين السلطة والحرية.

 

وظيفة القانون الجنائي في تحقيق الأمن في المجتمع:

 

تتمثل وظيفة القانون الجنائي في تحقيق الأمن Security في المجتمع في توفير الطمأنينة للأفراد على أنفسهم وأموالهم ومصالحهم وذويهم. سواء في مواجهة غيرهم من الأفراد أو في مواجهة السلطات العامة.

 

ومن هنا؛ كان من الضروري أن يعلم الأفراد مسبقاً بالحظر الوارد بالقانون الجنائي "التجريم" الذي يحظره القانون حتى يمكن عقابهم عند مخالفته.


ونتيجة لما سبق؛ فإن القانون الجنائي محكوم بمبدأ هام جداً، بل هو المبدأ الرئيسي للتجريم الجنائي، ألا وهو مبدأ الشرعية الجنائية أو (مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات).

 

وظيفة القانون الجنائي في تحقيق العدالة:

 

القانون الجنائي مطالب بتحقيق العدالة، وإرضاء شعور المجني عليه في الجريمة، وإرضاء السخط الاجتماعي العام الذي يتولد لدى الجماعة عند ارتكاب الجريمة. وهي الوظيفة الأساسية للقانون الجنائي التي تتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى.

 

لذلك؛ يجب أن تخرج نصوص العقوبات الجنائية عادلة ورادعة تكفل - بقدر الإمكان - جبر أضرار الجريمة، وإعادة الوضع لما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة.

 

ويرى البعض أن العدالة Justice مقصود بها التناسب بين الأمر المحظور وهو الجريمة، والعقاب المقرر عن مخالفة هذا الحظر الذي فرضته أوامر القانون الجنائي ونواهيه.

 

وقد كانت عدالة العقوبة في الماضي ينظر إليها بالتناسب مع خطورة الفعل المرتكب فقط، وكان الغرض من العقوبة هو التكفير عن الذنب الذي ارتكبه المجرم ولذلك كانت العقوبة قاسية.


أما الآن فقد تغير الفكر العقابي وأصبح للعقوبة وظيفة نفعية تتعلق بإصلاح المحكوم عليه ومنعه من العودة للإجرام مستقبلاً.

 

وظيفة القانون الجنائي في إقامة الموازنة بين السلطة والحرية:

 

إن الصراع الأزلي بين السلطة والحرية (أي سلطة الدولة وحرية الفرد) هو جوهر الوظيفة المعقدة للعدالة بوجه عام، والعدالة الجنائية بوجه خاص.

 

حيث أن للفرد الحق في التمتع بحقوقه وحرياته المختلفة داخل مجتمعه وممارسة كافة أوجه النشاط المشروعة، وفقاً لما يمليه التطور الإجتماعي السريع والمتلاحق للمجتمع، والازدهار الثقافي والفكري والتكنولوجي في شتى المجالات.

 

وعلى الجانب الآخر: فإنه يحق للدولة - بل من الواجب عليها - المحافظة على النظام العام وحماية الأمن والسلام داخل المجتمع، وتنظيم الحريات الفردية ووضع حدودها المعقولة والمناسبة التي تكفل الحفاظ على النظام الاجتماعي في أفضل صورة، فكما قيل وبحق " أنت حر ما لم تضر "، وأن حريتك تتوقف حيث حريات الآخرين.

 

ولا شك أن الوسيلة الأمثل في يد السلطة العامة لتقويم سلوك الأفراد ومجابهة صور المخالفات الصارخة للقواعد القانونية في المجتمع هي: " القانون الجنائي " بما يرتكز عليه من سطوة الأمر والنهي باستخدام التجريم والعقاب. وحمل الأفراد - قسراً - على احترام النظام العام.

 

لذلك يقوم المشرع الجنائي بالتوفيق balance and proportion بين الاعتبارات السابقة عند وضع النصوص القانونية للجرائم الجنائية، أي الموازنة بين السلطة والحرية، بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، بين الحقوق والحريات ومقتضيات الحفاظ على النظام العام بكل مشتملاته.

 

إلا أن وظيفة السلطة التشريعية في هذا الشأن ليست سهلة على الإطلاق وليست بالبساطة التي قد تبدو عليها للوهلة الأولى، إذ أنه من أصعب ما يمكن أن يواجهه المشرع، هو وضع النصوص القانونية للجرائم الجنائية والعقوبات.

 

وعودة إلى خطورة القانون الجنائي  criminal law داخل الأنظمة القانونية للدول، فإن القانون الجنائي من أخطر التشريعات داخل الدول إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، فأسوأ مجال تتعامل فيه السلطة العامة مع الفرد هو مجال القانون الجنائي.


فالعقوبات الجنائية قاسية وبغيضة، وتمس مصالح الإنسان الرئيسية التي لا يمكن أن يتجرد منها.


ففضلاً عن خضوع الشخص لمجموعة من الإجراءات القسرية خلال فترات التحقيق والمحاكمة Investigation and trial وما يتعرض له من امتهان لكرامته والوصمة الاجتماعية التي تلحق به وبأهله وذويه؛


فإن العقوبة الجنائية قد تسلب الإنسان حقه في الحياة (كعقوبة الإعدام) أو حقه في الحرية (كالعقوبات السالبة للحرية وهي السجن المؤبد والسجن المشدد والسجن والحبس) أو حق الانسان في حرية التصرف في أمواله وذمته المالية (كعقوبات المصادرة والغرامة).

 

فضلاً عن مجموعة من الاعتبارات العملية التي تجعل من توقيع العقوبة الجنائية criminal punishment على الشخص شيء بالغ السوء، ولذلك، فإن القانون الجنائي يعتبر أخطر القوانين على الإطلاق في نطاق القانون العام، وفي شأن علاقة الفرد بالدولة.

 

وبناء على ما تقدم؛ فإن المشرع الجنائي يجب أن يصدر نصوصاً للتجريم والعقاب تعالج الجرائم الجنائية من خلال قواعد واضحة ومحددة مبناها العدالة حدودها نصوص الدستور constitution، هدفها تحقيق صالح الفرد والجماعة.

 

وظيفة القانون الجنائي تزداد تعقيداً بمرور الوقت:

 

وأخذاً في الاعتبار؛ ذلك التطور السريع في كافة أوجه النشاط الإنساني في المجتمع، فإنه ليست كل مخالفة للقواعد القانونية تعتبر جريمة جنائية، فتلك الأخيرة تطلق على المخالفات الجسيمة للنظام الاجتماعي، والتي يقرر المشرع تجريمها جنائياً بمقتضي النصوص الجنائية التي تجرمها.

 

أي أن المشرع الجنائي ينتقي من بين المخالفات الجسيمة للنظام الاجتماعي مجموعة من المخالفات على درجة عالية من الخطورة ويقرر مواجهتها بالتجريم الجنائي باستخدام وسيلتي التجريم والعقاب، ويسبغ عليها وصف الجرائم الجنائية.

 

وقد أصبحت مهمة المشرع الجنائي في هذا الشأن بالغة الدقة وشديدة التعقيد Complicated ، فصناعة التشريع أصلاً صناعة معقدة تحتاج إلى مهارة وخبرة وحكمة لدى القائمين عليها، ويزداد ذلك التعقيد يوماً بعد يوم نتيجة تعدد أهداف ووسائل ومظاهر الإجرام في المجتمع الحديث.

 

فالتكنولوجيا الحديثة التي أسدت خدمات لا يمكن وصفها للبشرية ودعمت تقدمها بشكل ملحوظ لها جانب مظلم يتمثل في إساءة استخدام تلك التكنولوجيا والوصول بها إلى حد الإجرام تعبيراً عن الجانب المظلم في شخصية الإنسان وطبيعته الجانحة دائماً صوب الخطيئة.

 

مما صعب مهمة المشرع الجنائي في المجتمعات الحديثة بشأن وضع قواعد التجريم الجنائي criminalization وتحديد ما هو مقبول وما هو مرذول من مظاهر السلوك الإنساني، ثم تجريم أنماط سلوكية محددة يغلب عليها الحداثة، بل والغرابة في بعض الأحيان، مع الالتزام بمبدأ المساواة. مما عقَّد من وظائف القانون الجنائي.

 

علاقة القانون الجنائي بغيره من القوانين داخل النظام القانوني للدولة:

 

إن العلاقة بين القانون الجنائي وغيره من القوانين الأخرى داخل دولة القانون علاقة وثيقة جداً، ويمكن التعبير عنها بأن القانون الجنائي يوفر الحماية اللازمة لكافة القوانين الأخرى في النظام القانوني العام داخل الدولة.


فكما قيل - وبحق - ان القانون الجنائي يلعب دور رجل الشرطة في دولة القانون.

 

جوهر العلاقة بين القانون الجنائي والقوانين الأخرى:

 

وتتجلى العلاقة بين القانون الجنائي وغيره من القوانين الأخرى من خلال الاستعانة بشق الجزاء الجنائي من القاعدة الجنائية لتوفير الجزاء الرادع والفعال على مخالفة قاعدة غير جنائية بطبيعتها ( تكليف من منوع ما ورد بقانون غير جنائي بطبيعته ). وذلك لضمان احترام قواعد القانون غير الجنائي وكفالة تنفيذها وتمكينها من آداء وظيفتها الاجتماعية المرجوة.

كما أن للقانون الجنائي علاقة وثيقة بالنظرية العامة للقانون والمبادئ العامة للقانون.

 

أبرز أمثلة العلاقة بين القانون الجنائي وغيره من القوانين داخل النظام القانوني العام:

 

العلاقة بين القانون الجنائي والقوانين الأخرى
العلاقة بين القانون الجنائي والقوانين الأخرى



العلاقة بين القانون الجنائي والنظرية العامة للقانون:

 

لاشك أن صلة القانون الجنائي بالنظرية العامة للقانون هي صلة وثيقة، طالما أن الحلول التي تصل إليها النظرية العامة للقانون في شأن موضوع معين لا تتعارض مع جوهر القانون الجنائي من حيث قيمه ومبادئه وأحكامه التي ينهض عليها.


كما تفيد أحكام النظرية العامة للقانون في مجال تفسير وتطبيق القاعدة الجنائية.

 

العلاقة بين القانون الجنائي والمبادئ العامة للقانون:

 

لا مراء في تلك الصلة الوثيقة بين القانون الجنائي والمبادئ العامة للقانون، والتي يطلق عليها أحياناً " قواعد العدالة " والتي يستفيد منها القانون الجنائي بشكل كبير.


مثال ذلك: أن القاعدة الجنائية التي تبيح الجريمة إذا ارتكبت ممارسة للحق ( كإباحة ضرب الأب لابنه على سبيل التأديب ) يمكن تفسيرها في ضوء ما يخلص إليه الفقه المدني من تفسيره لمضمون "التعسف في استعمال الحق" حتى نتمكن من تحديد حدود الحق في التأديب.

 

العلاقة بين القانون الجنائي والقانون الإداري:

 

تتدخل قواعد القانون الجنائي لحماية قواعد وأحكام القانون الإداري وفي مقدمتها أحكام الوظيفة العامة. فتتدخل قواعد القانون الجنائي لحماية الموظف العام من خلال تجريم الاعتداء عليه أثناء ممارسة وظيفته ومثال ذلك: تجريم السب والقذف والإهانة في حق الموظف العام أو منعه من آداء وظيفته أو التأثير عليه.

 

كما تتدخل قواعد القانون الجنائي لحماية مقتضيات الواجب الوظيفي وحماية النظام العام نفسه من الانحرافات المحتملة للموظف العام وذك من خلال تجريم الرشوة أو الاستيلاء على المال العام أو تسهيل الاستيلاء عليه أو الغدر أو التربح أو الاهمال الجسيم الذي يترتب عليه الإضرار بالمرافق العامة، أو سوء استغلال السلطة أو النفوذ الوظيفي.

 

كما تتدخل قواعد القانون الجنائي لتوفير الحماية للمرافق العامة بشكل عام وذلك من خلال تجريم الاعتداء على سلامة الطرق العامة أو المواصلات العامة أو الاعتداء على المباني المخصصة لتقديم الخدمات العامة.

 

ولا شك أن الجزاء الجنائي يقدم قوة وحزم وفاعلية في مواجهة كافة أنماط المخالفات القانونية سالفة البيان من الجزاء الإداري.

 

العلاقة بين القانون الجنائي والقانون المدني:

 

تتدخل قواعد القانون الجنائي لتحمي الكثير من الحقوق والمصالح المدنية. ومن ذلك على سبيل المثال: حماية الحق في الملكية وذلك من خلال تقرير العقوبة الجنائية على جرائم السرقة والنصب والتبديد والاتلاف، وحماية الثقة في المحررات الرسمية وذلك من خلال العقاب الجنائي على جرائم التزوير واستعمال المحررات المزورة مع العلم بتزويرها، وحماية المعاملات المالية وذلك من خلال العقاب على الربا.


والجزاء الجنائي أصلاً أشد من الجزاء المدني، فالأول يتمثل في عقوبة أو تدبير وقائي، في حين أن الجزاء المدني يتمثل في إعادة الحالة إلى ما كانت عليه إما بالرد عيناً وإما بالتعويض.

 

العلاقة بين القانون الجنائي والقانون التجاري:

 

تحمي قواعد القانون الجنائي كثيراً من المراكز القانونية التجارية، كالشيك إذا لم يكن له رصيد، والغش التجاري في بعض صوره، وتطفيف المكاييل والموازين، والإفلاس في بعض صوره، وتقليد شهادات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية .. الخ.

 

العلاقة بين القانون الجنائي والقانون الدولي:

 

يتضمن القانون الدولي قواعد تحمي جرحى الحرب ولو كانوا من الأعداء، كما يحمي رؤساء الدول الأجنبية بقواعد جنائية خاصة، ويحمي المصالح الحيوية بعقوبات مشددة في زمن الحرب ( مثال ذلك القوانين الوقتية التي تواجه تلك الفترات الخاصة )، وإذا تضمنت معاهدة دولية قواعد جنائية يجب إصدار قانون يحقق هذه الحماية الجنائية.


كما يؤثر في مجال عمل قانون الإجراءات الجنائية تلك الحصانة الإجرائية التي يتمتع بها المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين.

 

 

 واحة القانون

law oasis

 




حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-