أخر الاخبار

قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية


من المعلوم أن قانون العقوبات يحمي من قديم الأزل وعلى نطاق واسع الحياة الاقتصادية، فالملكية مصونة بنصوص السرقة والاختلاس والاستيلاء على المال العام، كما أن الذمة المالية عموما محمية بقوانين الغش والنصب وخيانة الأمانة.


قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية
قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية



الدور التقليدي لقانون العقوبات الاقتصادي في حماية الملكية:



وفي مذهب الاقتصاد الحر، يتولد النظام تلقائياً من حرية دور قانون العرض والأسواق والجزاء الأساسي في هذا المذهب لكل من يخالف قواعده هو الفشل في الأعمال نتيجة لحركة التنظيم التلقائي للأسعار.


وهذه التلقائية كانت كافية لحسن سير الحياة الاقتصادية العادية من وجهة نظر الرأسمالية الحرة وكان تدخل قانون العقوبات يقف عند حد الاعتداء على حق الملكية، وعدم الأمانة في علاقات المنافسة الحرة.

 

تطور دور قانون العقوبات الاقتصادي باستمرار:


ولكن ما يتوافق مع ما يأمر به قانون العقوبات العام فيما يتعلق بحماية الملكية والأشكال الأخرى للثروة، ومن يتصرف بالتطابق مع كل وجهات النظر القانونية هذه، يمكن مع ذلك أن يضر بمجموع المصالح الاقتصادية للدولة ضررا بليغاً.


لأنه إلى جانب الأفكار التقليدية لحرية المنافسة والملكية وحرية التجارة، ظهرت أفكار جديدة جوهرية أيضاً، تتأكد قيمتها يوما بعد يوم.


أفكار اجتماعية متعلقة بحق العمل والتأمين، وحرية العمل، أفكار اجتماعية اقتصادية لتوزيع وتحويل الدخول، أفكار اقتصادية خالصة لاستقرار الأسعار والنقود، وحتي من خلال الرأسمالية الجديدة من المقبول أن تتبع الدولة سياسة اقتصادية تقوم على تعديل البنيان الاقتصادي.



ومن هنا ظهر الاقتصاد الموجه والتخطيط وأخذ يتزايد عدد المصالح الاقتصادية واجبة الحماية، بحيث تعين أن تتماشي المصالح القديمة مع المصالح الجديدة.



فأصبحت الحماية تتجه إلى بعض فئات المجتمع بأسرها كالمستأجرين والزراع والمستهلكين، وصغار المدخرين ضد تطرف القوى الاقتصادية الرأسمالية، والسياسة الاقتصادية للدولة هي التي تحقق الحماية لهذه المصالح.



دور قانون العقوبات الاقتصادي في إقامة التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية:



ولكن يوجد توازن واضح بين التطور الحديث الموسع جدا للسياسة الاقتصادية وتطور قانون العقوبات، فبمثل ما يمتد سلطان التطور الأول إلى عدد يتزايد باستمرار على قطاعات مختلفة من النشاط البشري، فانه أيضاً ونتيجة لذلك. فان قانون العقوبات بتدخل كل يوم في مواد ظل أجنبيا عنها طول تاريخه.



فقانون العقوبات لم يعد يقتصر في تدخله بالعقاب على عدم الأمانة والاعتداء على حقوق الآخرين فقط، ولكن أيضا، وهنا الجديد فيه الذي تزداد حدته يوما بعد يوم، يعاقب الخروج على قواعد مستوحاة من الاهتمام بالمصلحة العامة الاقتصادية وعلى الرغم من أن هذا الخروج قد لا يكون بالضرورة مخالفا للأخلاق الفردية.



فمتطلبات الأخلاق الجماعية هي التي تطور فكرة الجريمة الاقتصادية، وإذا كان صحيحا ان القاعدة لازالت ان كل ما لم يحظر فهو مباح، إلا أن المحظورات قد تعددت الى درجة ان الالتزام بالعمل على التوافق مع قواعد مفروضة من الدولة قد اتسعت إلى درجة أنه أصبح من العسير أن ننكر أن قيود الحريات الاقتصادية تعددت أكثر فأكثر وتقاربت.



تعريف الجريمة الاقتصادية:



وعلى ذلك يمكن تعريف الجريمة الاقتصادية بأنها: " مباشرة نشاط معين، سواء تمثل في تصرف اقتصادي او سلوك مادي بالمخالفة للتنظيمات والأحكام القانونية الصادرة كوسيلة لتحقيق سياسة الدولة الاقتصادية ".



ولذلك يخرج من مفهوم الجرائم الاقتصادية جرائم الأموال العامة وجرائم الاعتداء على ملكية الدولة بصفة عامة فهذه جرائم تقليدية مدرجة في المدونة العقابية من قديم.



أما مخالفة السياسية الاقتصادية الدولة معبراً عنها في صورة قوانين فهي التي تتسم بطبيعة خاصة من کثرتها وتقلباتها تبعا لتغير السياسة الاقتصادية في تتبعها الظاهرة الاقتصادية المتقلبة تقلبات سريعة تتطلب ضرورة تمكين الدولة من تعقبها بوسائل سريعة أسرع من التشريع الجنائي العادي الصادر من المجالس النيابية.



كما تتسم السياسة الاقتصادية بانطوائها على مفاهيم وتعبيرات فنية ليس من السهل على غير المتحمسين إدراك معانيها الأمر الذي أدى إلى المناداة بقبول الغلط في القانون في الجرائم الاقتصادية على عكس الحال في القواعد العامة لقانون العقوبات.



فضلا عن أنه نظرا لأهمية المصلحة الاقتصادية المحمية بالإضافة إلى عدم شدة الجزاءات في الجرائم الاقتصادية فالغالبية العظمى من هذه الجرائم من الجنح.


هل قانون العقوبات الاقتصادي هو فرع جديد من فروع قانون العقوبات الخاص ؟



وقد نادى الكثيرون بالعقاب على الجريمة الاقتصادية سواء وقعت عمدا أو بغير عمد بالمخالفة للقاعدة العامة السائدة في القواعد العامة لقانون العقوبات من أن الأصل الجريمة أنها عمدية ولا عقاب علي الإهمال إلا بنص خاص.


كل هذا خلق ضرورة النظر إلى القانون الجنائي الذي يضم الجرائم الاقتصادية على أنه فرع خاص جديد من قانون العقوبات الخاص هو قانون العقوبات الاقتصادي.


ويتميز قانون العقوبات الاقتصادي باتساع نطاق التجريم فيه، فإذا كان صحيحاً أن من أهم مظاهر قانون العقوبات في القرن العشرين، التوسع الملحوظ في نطاق السلوك المجرم، فإن الميدان الاقتصادي كان أهم میدان ظهر فيه هذا التوسع.


وكان من مظاهر هذا التوسع في التجريم، أن أصبح عدد ضخم من السلوك البشري - هو في الأصل طبيعي جدا، أصبح له بشروط معينة صفة العمل المعاقب عليه.


مثل البيع والشراء، وطلب سعر محدد للسلع، وحيازة كمية معينة من البضائع في المحلات، والامتناع عن بيع أنواع معينة من البضائع وشراء وبيع وسائل الدفع الأجنبية ... الخ.



سيطرة الهدف النفعي على قانون العقوبات الاقتصادي:

 


كما يتميز قانون العقوبات الاقتصادي بغلبة الهدف النفعي علي الهدف الأدبي، وكان لذلك التوسع في التجريم، و هذا الهدف النفعي، تأثيرهما على القواعد العامة القانون العقوبات الاقتصادي، كما أدى هذا التوسع في التجريم الى خلق حالات من المسئولية الجنائية تتعارض و مبدأ شخصية المسئولية الجنائية، تلك المسئولية عن فعل الغير.



كما أدي إلي تجريم النتائج الخطرة و عدم الانتظار حتى يقع الضرر كما أدى هذا التوسع إلى التوسع في نظرية المساهمة في الجريمة فتم التوسع في فكرة الفاعل.


وكان لهذا تأثيره أيضاً علي الركن المعنوي للجريمة، فوصف الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية بأنه ضعيف، حيث كثيراً ما يسوي هذا القانون بين وقوع الجريمة عمداً أو بإهمال.


المصدر:


كتاب السيد الأستاذ الدكتور / عبد الرؤوف مهدي / شرح القواعد العامة في قانون العقوبات / 2008.






وضع القراءة :
حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-