أخر الاخبار

أزمة الشرعية والفعالية في قانون الإجراءات الجنائية

 

تواجه الإجراءات الجنائية مشكلة في غاية الدقة والأهمية وهي التقابل الدائم بين اعتبارات الشرعية الإجرائية واعتبارات فاعلية العدالة الجنائية والإجراءات الجنائية السريعة والناجزة.


أزمة الشرعية والفعالية في قانون الإجراءات الجنائية
أزمة الشرعية والفعالية في قانون الإجراءات الجنائية


القاعدة الجنائية الإجرائية:



من المعروف أن القانون الجنائي يشتمل على نوعين من القواعد الجنائية: 


النوع الأول : هو القواعد الموضوعية التي تتعلق بالتجريم والعقاب أي تختص بإنشاء الجرائم وتحديد العقوبات المقررة لها ويطلق على القانون الذي يضم هذه القواعد قانون العقوبات أو القانون الجنائي الموضوعي.



النوع الثاني : هو القواعد الشكلية أو الإجرائية للقانون الجنائي، وهي التي تحدد الطرق أو الوسائل أو القنوات التي يتم من خلالها اقتضاء حق الدولة في العقاب، أي جميع المراحل التي تمر بها التهمة الجنائية (الاتهام والتحقيق وجمع الاستدلالات ..الخ) وصولاً إلى تنفيذ العقوبة الجنائية على من تثبت مسئوليته عن ارتكاب الجريمة. ويسمى القانون الذي يجمع هذه القواعد بقانون الإجراءات الجنائية.


عمق أزمة الشرعية والفعالية في قانون الإجراءات الجنائية:


والواقع أن قانون الإجراءات الجنائية يواجه مشكلة أعمق وأدق وأكثر خطورة من قانون العقوبات، لأن التجريم والعقاب فيه ثبات وتحديد إلى حد كبير.


فالمشرع الجنائي يحرص على توفير الحماية الجنائية للمصالح الكبرى التي يتعين عليه أن يحميها جنائياً من خلال التجريم والعقاب، ويجعل من الاعتداء على هذه المصالح جرائم جنائية.


سواء كانت مصالح عامة للمجتمع كحق الدولة في حماية أمنها من جهة الداخل والخارج وحق المجتمع في الأمن والسلام العام ..الخ، أو كانت مصالح رئيسية هامة للأفراد كالحق في سلامة الجسد والحق في الحياة والحق في حماية الشرف والاعتبار ..الخ.


كما أن المصالح المستحدثة التي يظهرها التطور الاجتماعي والتقدم التكنولوجي وتعقد السلوك الإنساني ومظاهر انحرافه، يتم مواجهتها بتشريعات جنائية خاصة.


ويلاحظ أن نصوص القانون الجنائي الموضوعي المتعلقة بالتجريم والعقاب (سواء كانت بالقسم العام من قانون العقوبات أو بالقسم الخاص منه أو بالتشريعات الجنائية الخاصة) موحدة ويغلب عليها صفتي الوضوح والتحديد، كما يتوافر بشأنها قدر كبير من الثبات وعمرها طويل. مثال ذلك: النص الخاص بالقصد الجنائي لا يحتاج إلى تعديل بمرور الوقت / النص الخاص بالسرقة استقر منذ عشرات السنين.


أما في قانون الإجراءات الجنائية فنحن أمام مشكلة معقدة بشكل كبير. أمام مرآة عاكسة للنظام السياسي في الدولة يبين نظرة الدولة للحقوق والحريات الفردية وهذه مسألة نسبية تختلف من نظام لآخر ومن وقت لآخر وتتعرض لكثير من المتغيرات.


جوهر الأزمة بين اعتبارات الشرعية واعتبارات الفاعلية:


هناك اعتباران قد يبدو بينهما تناقض ظاهري على الرغم من أن كل منهما محمود في ذاته؛ الاعتبار الأول هو حماية الحقوق والحريات الفردية والاعتبار الثاني هو حماية الصالح العام والعدالة الجنائية السريعة والناجزة. ولذلك فنحن أمام ثلاث حلول:


الأول: إما أن نضع قاعدة إجرائية تكفل حماية الصالح العام دون غيره وتكفل إجراءات جنائية قوية وسريعة تكافح الإجرام بفاعلية وتضحي بحقوق وحريات الأفراد تماماً.


الثاني: أن نضع قاعدة إجرائية مبنية على قدسية الحقوق والحريات الفردية وتحمي الفرد ولا تحمي الصالح العام حتى لو ترتب على ذلك إفلات بعض المجرمين من العقاب.


الثالث: أن نضع قاعدة جنائية إجرائية تحاول التوفيق بين الاعتبارين السابقين بقدر الإمكان.


مثال ذلك: موضوع تفتيش المساكن أو ضبط المراسلات الخاصة أو التنصت على المحادثات الهاتفية أو وسائل الاتصال الإلكترونية وغيرها، وهي من أدق وأهم المواضيع في قانون الإجراءات الجنائية، نجد أنفسنا أمام ثلاثة حلول:


الحل الأول: أن نقرر بصفة مطلقة قداسة الحقوق والحريات الفردية ونحظر على جهات التحقيق وجمع الاستدلالات التعرض للمحادثات الخاصة أو التنصت عليها أو الاعتماد عليها كأدلة جنائية في المحاكمة، ونلزم جهات التحقيق أن تبحث في مصادرها وحسب.


الحل الثاني: تفضيل اعتبارات العدالة السريعة والفعالة في مواجهة حقوق الأفراد ومطاردة الجناة بكل الوسائل الممكنة والمتاحة وتوسيع سلطات مأموري الضبط للوصول إلى كل الأدلة الممكنة لإثبات التهم الجنائية في حق مرتكبيها.


الحل الثالث: وهو محاولة التوفيق بين الحلول السابقة أي السماح لمأموري الضبط بالتفتيش وجمع الاستدلالات بضوابط قانونية معينة وفي حالات محددة دون غيرها، كالسماح بذلك في أنواع معينة من الجرائم أو بإذن مسبق من جهات معينة.


والحقيقة أن هذا الموضوع يواجه مشكلة في النظريات الكبرى للإجراءات الجنائية. لأنه يثير القواعد العامة وثيقة الصلة بالموضوع مثل نظرية البطلان والإثبات الجنائي ومرحلة جمع الاستدلالات وخصوصية الإثبات الجنائي وتميزه عن الإثبات المدني.


مشروعية الدليل الجنائي:


يجب أن يتحصل الدليل الجنائي وفقاً لإجراءات معينة ( نظرية البطلان ) فإذا كانت هذه الإجراءات صحيحة أنتج الدليل أثره وأصبح مقبولاً في المحاكمة الجنائية.


وإذا كانت الإجراءات الجنائية التي تحصل الدليل من خلالها باطلة أو غير صحيحة تجرد الدليل من أثره وفقاً لنظرية البطلان، ويلاحظ أن الذي يستبعد الدليل في النهاية هو القاضي الجنائي وفقاً لسلطته التقديرية.


دور القاضي الجنائي في أزمة الشرعية والفاعلية في قانون الإجراءات الجنائية:


ذكرنا سابقاً أن القاضي الجنائي هو الذي يستبعد الأدلة الجنائية المتحصلة بطرق غير مشروعة وفقاً لنظرية البطلان وذلك أثناء المحاكمة الجنائية وتطبيق أصول وضمانات المحاكمات الجنائية ( وهي أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة ومنصفة يتوافر له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ومبدأ شفوية المحاكمة والموازنة بين الخصوم...الخ).


ويكون القاضي الجنائي عقيدته من خلال مناقشة الخصوم وتفنيد أدلتهم ودفاعاتهم في الدعوى حتى يصل إلى الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي. ويلاحظ أن هذه المشكلة تبرز دور القاضي الجنائي وتميزه عن دور القاضي المدني.


فالقاضي الجنائي يواجه مشكلة أنه أمام نصوص ربما تكون قديمة أو تقليدية أو محدودة أو عقيمة وغير فعالة وهو ملتزم بتطبيقها اعترافاً بمبدأ الشرعية.


في حين أن هذه النصوص لم تراعي التطور الاجتماعي بكل أبعاده وتعقد السلوك الإجرامي للأفراد في المجتمعات الحديثة وظهور أنماط مستحدثة من الجرائم وجماعات الجريمة المنظمة وغيرها.


كما أن استخدام التكنولوجيا الحديثة من جانب المجرمين قد فتح مجالاً واسعاً أمام تحايل المجرمين على القانون وإيجاد حلول جديدة للإفلات من قبضة العدالة. وهنا يظهر الدور الخلاق والمبتكر للقاضي الجنائي.


أما القاضي المدني: فيقوم بدور سلبي ولا يحكم في الدعوى المنظورة أمامه إلا بناء على الدليل الأقوى ولو كان الدليل ورقي ولم ير أي من الخصوم مطلقاً هذا الاتهام أما القاضي الجنائي فيجب أن يدرس ويتعمق في الجوانب الشخصية للمجرمين.


ويبقى السؤال الدائم والمشكلة التي تطل برأسها دوماً في كافة نظم العدالة الجنائية بشأن أزمة الشرعية والفعالية في قانون الإجراءات الجنائية.


ما هو المعيار الدقيق الذي يمكن الاعتماد عليه للتوفيق بين اعتبارات الحقوق والحريات الفردية في المجتمع الحديث ومع ما وصلت إليه البشرية من تقدم ملحوظ في مجال حقوق الإنسان وحرمة حياته الخاصة، واعتبارات فعالية الإجراءات الجنائية في مواجهة المجرمين والخارجين عن القانون لمنع الجريمة وحماية المجتمع من شرورهم وتحقيق عدالة سريعة وفعالة تلقى القبول الاجتماعي لدى المخاطبين بأحكامها.


إن الأمر له أبعاد اجتماعية ونفسية لدى الأفراد في المجتمع ونظرة الأفراد لمنظومة العدالة الجنائية برمتها، ومهمة القانون والقضاء في أعين الجمهور، فإن فقد الجمهور ثقته في القانون والقضاء ومدى نجاحهم في اقتضاء الحقوق ممن اعتدى عليها وحماية المجتمع من الجريمة، وأقدم كل شخص على اقتضاء حقه بنفسه وإقامة العدالة بيده، فقد انهدمت منظومة العدالة الجنائية برمتها وسقطت دولة القانون.





وضع القراءة :
حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-