أخر الاخبار

القانون الجنائي وقواعد الدين وقواعد الأخلاق

 

إن الصفة الوضعية لقواعد القانون الجنائي كان ولابد أن تفرض اختلافاً ظاهراً بين قواعد القانون الجنائي كقواعد قانونية وقواعد الدين وقواعد الأخلاق.


القانون الجنائي وقواعد الدين وقواعد الأخلاق
القانون الجنائي وقواعد الدين وقواعد الأخلاق


القانون الجنائي قانون خطير بالنظر إلى طبيعته وارتكازه على سطوة الأمر والنهي في المجتمع باستخدام التجريم والعقاب، كما أن الآثار التي تترتب على تحريك قواعد القانون الجنائي في مواجهة الأفراد خطيرة جداً تتمثل في إنزال أحكام الجزاء الجنائي على من تثبت في حقه المسئولية الجنائية عن الفعل المجرَّم.


الفرق بين قواعد القانون الجنائي وقواعد الأخلاق:


كقاعدة عامة: المشرع الجنائي لا يجرم الأفعال المنافية للأخلاق على الدوام، فلا يمكن القول أن كل فعل غير مقبول أخلاقياً هو جريمة جنائية، فذلك غير صحيح. وإنما يقوم المشرع بتجريم أنماط السلوك (الأفعال) التي يرى فيها قدر معين من الخطورة الإجتماعية وفقاً لما تقتضيه مصلحة المجتمع ويرى جدارة هذه الأفعال بالتجريم الجنائي في إطار مبدأ الضرورة والتناسب في التجريم والعقاب.


كما أن القانون الجنائي محكوم بمجموعة من المبادئ التي لا يمكنه تخطيها أثناء ممارسة دوره في التجريم والعقاب، كالقيم الإنسانية العالمية ومبادئ حقوق الإنسان، والضمانات الدستورية للتجريم والعقاب وفي مقدمتها مبدأ الشرعية الجنائية ومبدأ وضوح وتحديد نصوص التجريم الجنائي والعقاب ...الخ.


ولذلك؛ فإن القانون الجنائي قد لا يجرم أفعال معينة قد تبدو منافية لمبادئ الأخلاق مهما بلغت دناءة هذه الأفعال طالما أنها لم ترد بأحد نصوص التجريم والعقاب الواردة بالقانون، وذلك التزاماً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.


مثال ذلك: الكذب أو كما يطلق عليه فقه القانون الجنائي " الكذب المجرد " طالما لم يترتب عليه اكتمال البنيان القانوني لجريمة ما منصوص عليها قانوناً.


وبالمقابل: قد يتدخل القانون الجنائي بتجريم أفعال معينة - حفاظاً على مصلحة الجماعة - على الرغم من أنها لا تبدو منافية للأخلاق ويشملها بالتجريم الجنائي، طالما رأى المشرع أن خطورتها على المجتمع توجب مواجهتها عن طريق القانون الجنائي من خلال التجريم والعقاب.


الفرق بين قواعد القانون الجنائي وقواعد الدين:


إن القانون الجنائي يجب أن يكون قانون واضح ومحدد في إرسال التكليف الجنائي إلى الأفراد ( افعل ولا تفعل / من فعل كذا يعاقب بكذا ) وذلك حفاظاً على حقوق وحريات الأفراد من أن يتم العصف بها أو تهديدها لو ترك أمر التجريم والعقاب في يد السلطة العامة دون حدود واضحة ودقيقة. والتزاماً بمبدأ الشرعية الجنائية من زاوية أخرى.


فعلى المشرع الجنائي أن يسلم القاضي الجنائي نصوصاً صريحة ومحددة في شأن العقوبات الجنائية لينزلها على مرتكبي الجرائم دون أي تعديل أو تغيير في نوع أو مدة العقوبة الجنائية.


ولذلك: فإن تطبيق قواعد الأديان كمصادر مباشرة للتجريم الجنائي والعقاب قد يؤدي إلى فوضى كبيرة وانتقائية وتمييز في مجال التجريم والعقاب وهو ما ثارت عليه المجتمعات الإنسانية منذ زمن بعيد، وفي التاريخ خير دليل على ما عانته البشرية من سلطة تحكمية واستبدادية للكيانات الدينية ورجال الدين في هذا المجال، وقد سطر التاريخ أطواراً قاتمة للإنسانية خلال تطور التجريم والعقاب كان يتم فيها الحكم بأقسى العقوبات على أتفه الأفعال.


وحتى داخل الشريعة الواحدة نجد تنوعاً واختلافاً كبيراً في الأحكام والأفكار والمذاهب بما يتنافى مع صفتي الوضوح والتحديد التي يجب أن تتوافر لقواعد القانون الجنائي، وتتنافى كذلك مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وتفتح المجال أمام تحكم قضائي واسع المجال عند تطبيق العقوبات الجنائية. فنجد شخصين ارتكبا نفس الجريمة وتم توقيع عقوبة مختلفة تماماً لكل منهم. فتتفاوت مصائرهما رغم تطابق فعليهما.


وبالتالي: فإنه ليس كل فعل محرم دينياً هو جريمة جنائية وليست كل جريمة جنائية هي ذنب أو خطيئة دينية. فهناك أفعال خطيرة للغاية من منظور ديني لم تعد اليوم مجرمة بمقتضى نصوص القانون الجنائي كالسحر والزنا والمثلية الجنسية في بعض المجتمعات. سواء لصعوبة تحديد البنيان القانوني للجريمة بشأن هذه الأفعال أو لقناعة بعض المجتمعات أن الحرية الفردية تقتضي عدم تجريم مثل هذه الأفعال.







وضع القراءة :
حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-