القائمة الرئيسية

الصفحات

وظائف القانون الجنائي | الأمن والعدالة وتنظيم السلطة والحرية

إن وظائف القانون الجنائي criminal law function تزداد تعقيدأ بمرور الوقت، ويمكن القول أن وظائف القانون الجنائي تتمحور حول تحقيق العدالة، وتحقيق الأمن، وتحقيق المصالح المشتركة للمجتمع.


وظائف القانون الجنائي | الأمن والعدالة وتنظيم السلطة والحرية
وظائف القانون الجنائي | الأمن والعدالة وتنظيم السلطة والحرية



كما ان وظائف القانون الجنائي criminal law functions بشكل عام تحمل عبئا أعمق يتمثل في إقامة الموازنة بين السلطة والحرية.


وظيفة القانون الجنائي في تحقيق الأمن في المجتمع:


تتمثل وظيفة القانون الجنائي في تحقيق الأمن Security في المجتمع في توفير الطمأنينة للأفراد على أنفسهم وأموالهم ومصالحهم وذويهم. سواء في مواجهة غيرهم من الأفراد أو في مواجهة السلطات العامة.


ومن هنا؛ كان من الضروري أن يعلم الأفراد مسبقاً بالحظر الوارد بالقانون الجنائي "التجريم" الذي يحظره القانون حتى يمكن عقابهم عند مخالفته . ونتيجة لما سبق؛ فإن القانون الجنائي محكوم بمبدأ هام جداً، بل هو المبدأ الرئيسي للتجريم الجنائي، ألا وهو مبدأ الشرعية الجنائية أو (مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات).



وظيفة القانون الجنائي في تحقيق العدالة:


القانون الجنائي مطالب بتحقيق العدالة، وإرضاء شعور المجني عليه في الجريمة، وإرضاء السخط الاجتماعي العام الذي يتولد لدى الجماعة عند ارتكاب الجريمة.


لذلك؛ يجب أن تخرج نصوص العقوبات الجنائية عادلة ورادعة تكفل - بقدر الإمكان - جبر أضرار الجريمة، وإعادة الوضع لما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة.


ويرى البعض أن العدالة Justice مقصود بها التناسب بين الأمر المحظور وهو الجريمة، والعقاب المقرر عن مخالفة هذا الحظر الذي فرضته أوامر القانون الجنائي ونواهيه.


وقد كانت عدالة العقوبة في الماضي ينظر إليها بالتناسب مع خطورة الفعل المرتكب فقط، وكان الغرض من العقوبة هو التكفير عن الذنب الذي ارتكبه المجرم ولذلك كانت العقوبة قاسية.


أما الآن فقد تغير الفكر العقابي وأصبح للعقوبة وظيفة نفعية تتعلق بإصلاح المحكوم عليه ومنعه من العودة للإجرام مستقبلاً.



وظيفة القانون الجنائي في إقامة الموازنة بين السلطة والحرية:


إن الصراع الأزلي بين السلطة والحرية (أي سلطة الدولة وحرية الفرد) هو جوهر الوظيفة المعقدة للعدالة بوجه عام، والعدالة الجنائية بوجه خاص.


حيث أن للفرد الحق في التمتع بحقوقه وحرياته المختلفة داخل مجتمعه وممارسة كافة أوجه النشاط المشروعة، وفقاً لما يمليه التطور الإجتماعي السريع والمتلاحق للمجتمع، والازدهار الثقافي والفكري والتكنولوجي في شتى المجالات.


وعلى الجانب الآخر: فإنه يحق للدولة - بل من الواجب عليها - المحافظة على النظام العام وحماية الأمن والسلام داخل المجتمع، وتنظيم الحريات الفردية ووضع حدودها المعقولة والمناسبة التي تكفل الحفاظ على النظام الاجتماعي في أفضل صورة، فكما قيل وبحق " أنت حر ما لم تضر "، وأن حريتك تتوقف حيث حريات الآخرين.


ولا شك أن الوسيلة الأمثل في يد السلطة العامة لتقويم سلوك الأفراد ومجابهة صور المخالفات الصارخة للقواعد القانونية في المجتمع هي: " القانون الجنائي " بما يرتكز عليه من سطوة الأمر والنهي باستخدام التجريم والعقاب. وحمل الأفراد - قسراً - على احترام النظام العام.


لذلك يقوم المشرع الجنائي بالتوفيق balance and proportion بين الاعتبارات السابقة عند وضع النصوص القانونية للجرائم الجنائية، أي الموازنة بين السلطة والحرية، بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، بين الحقوق والحريات ومقتضيات الحفاظ على النظام العام بكل مشتملاته.


إلا أن وظيفة السلطة التشريعية في هذا الشأن ليست سهلة على الإطلاق وليست بالبساطة التي قد تبدو عليها للوهلة الأولى، إذ أنه من أصعب ما يمكن أن يواجهه المشرع، هو وضع النصوص القانونية للجرائم الجنائية والعقوبات.



وعودة إلى خطورة القانون الجنائي داخل الأنظمة القانونية للدول، فإن القانون الجنائي من أخطر التشريعات داخل الدول إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، فأسوأ مجال تتعامل فيه السلطة العامة مع الفرد هو مجال القانون الجنائي.


فالعقوبات الجنائية قاسية وبغيضة، وتمس مصالح الإنسان الرئيسية التي لا يمكن أن يتجرد منها.


ففضلاً عن خضوع الشخص لمجموعة من الإجراءات القسرية خلال فترات التحقيق والمحاكمة Investigation and trial وما يتعرض له من امتهان لكرامته والوصمة الاجتماعية التي تلحق به وبأهله وذويه؛ فإن العقوبة الجنائية قد تسلب الإنسان حقه في الحياة (كعقوبة الإعدام) أو حقه في الحرية (كالعقوبات السالبة للحرية وهي السجن المؤبد والسجن المشدد والسجن والحبس) أو حق الانسان في حرية التصرف في أمواله وذمته المالية (كعقوبات المصادرة والغرامة).


فضلاً عن مجموعة من الاعتبارات العملية التي تجعل من توقيع العقوبة الجنائية criminal punishment على الشخص شيء بالغ السوء، ولذلك، فإن القانون الجنائي يعتبر أخطر القوانين على الإطلاق في نطاق القانون العام، وفي شأن علاقة الفرد بالدولة.


وبناء على ما تقدم؛ فإن المشرع الجنائي يجب أن يصدر نصوصاً للتجريم والعقاب تعالج الجرائم الجنائية من خلال قواعد واضحة ومحددة مبناها العدالة حدودها نصوص الدستور constitution، هدفها تحقيق صالح الفرد والجماعة.



وظيفة القانون الجنائي تزداد تعقيداً بمرور الوقت:


وأخذاً في الاعتبار؛ ذلك التطور السريع في كافة أوجه النشاط الإنساني في المجتمع، فإنه ليست كل مخالفة للقواعد القانونية تعتبر جريمة جنائية، فتلك الأخيرة تطلق على المخالفات الجسيمة للنظام الاجتماعي، والتي يقرر المشرع تجريمها جنائياً بمقتضي النصوص الجنائية التي تجرمها.


أي أن المشرع الجنائي ينتقي من بين المخالفات الجسيمة للنظام الاجتماعي مجموعة من المخالفات على درجة عالية من الخطورة ويقرر مواجهتها بالتجريم الجنائي باستخدام وسيلتي التجريم والعقاب، ويسبغ عليها وصف الجرائم الجنائية.


وقد أصبحت مهمة المشرع الجنائي في هذا الشأن بالغة الدقة وشديدة التعقيد Complicated ، فصناعة التشريع أصلاً صناعة معقدة تحتاج إلى مهارة وخبرة وحكمة لدى القائمين عليها، ويزداد ذلك التعقيد يوماً بعد يوم نتيجة تعدد أهداف ووسائل ومظاهر الإجرام في المجتمع الحديث.


فالتكنولوجيا الحديثة التي أسدت خدمات لا يمكن وصفها للبشرية ودعمت تقدمها بشكل ملحوظ لها جانب مظلم يتمثل في إساءة استخدام تلك التكنولوجيا والوصول بها إلى حد الإجرام تعبيراً عن الجانب المظلم في شخصية الإنسان وطبيعته الجانحة دائماً صوب الخطيئة.


مما صعب مهمة المشرع الجنائي في المجتمعات الحديثة بشأن وضع قواعد التجريم الجنائي criminalization وتحديد ما هو مقبول وما هو مرذول من مظاهر السلوك الإنساني، ثم تجريم أنماط سلوكية محددة يغلب عليها الحداثة، بل والغرابة في بعض الأحيان. مما عقَّد من وظائف القانون الجنائي.



نصوص القانون الجنائي يجب أن تكون عامة ومجردة:


ومكمن تلك الصعوبة التي تعترض عمل المشرع الجنائي أثناء وضعه لنصوص الجرائم الجنائية criminal offenses ، تتمثل في أن المشرع مطالب بإصدار ذلك التجريم في صورة قواعد عامة ومجردة.


فالقانون الجنائي أساساً قانون أفعال ولا يخاطب أشخاص بعينهم أو يوجه قواعده لفئة أو طائفة من الناس، وإنما هو قانون عام يجب أن تتصف قواعده بالعمومية والتجريد فضلاً عن الوضوح والتحديد.


فالقانون الجنائي criminal law لا يخاطب الأشخاص بذواتهم وإنما يخاطبهم بصفاتهم ولا يتناول وقائع بعينها بل يتناول الوقائع بشروطها. فالقاعدة القانونية بشكل عام هي قاعدة عامة " أي تسري على الجميع دون تمييز " كما أنها قاعدة مجردة " أي لا تعبأ بشخص معين أو طائفة بعينها بحسب الأصل ".


أضف إلى ذلك: أن المشرع الجنائي criminal legislator يوجه خطاباً عاماً لمجموعة غير محدودة من الأشخاص تختلف شخصياتهم وطرق تفكيرهم وطبائع نفوسهم ونوازعهم للشر.


فما يمكن أن يكون عقاباً رادعاً لشخص ما، قد لا يكون كذلك بالنسبة لشخص آخر، فقد يمثل دخول السجن بالنسبة لأحد الأشخاص أزمة كبيرة ووصمة اجتماعية لا تمحى بسهولة، بينما قد لا يمثل شيئاً بالنسبة لشخص آخر مستواه الاجتماعي متدني أو من معتادي الإجرام.



وداخل السجون؛ توجد فئة من الناس ما كان يجب أن تدخل السجن أصلاً (اضطرت لارتكاب الجريمة تحت ضغط شديد أو اضطرتها ظروف قهرية إلى ذلك أو نتيجة حادثة غير مقصودة)، وفي المقابل؛ توجد داخل السجون فئة من الأفراد لا يجب أن تخرج من السجن إطلاقاً.


مما يضطر المشرع الجنائي إلى اعتماد معيار " مسلك الشخص المعتاد " أي أن المشرع حين يقرر نصاً ينشئ جريمة ما، فإنه يعتمد النموذج القانوني لتلك الجريمة وفقاً لمسلك الشخص العادي في مثل هذه الظروف " الظروف المصاحبة لارتكاب الجريمة ".


علماً بأن معيار الشخص المعتاد لا ينطبق على الأشخاص في كل الحالات ولا يعبر عن كل من يرتكب الفعل المنهي عن ارتكابه بصورة دقيقة، إلا أنه يظل الاختيار أو "المعيار" الأنسب للتجريم الذي لا يمكن التخلي عنه، إذ لا بديل يمكن الاعتماد عليه في شأن التجريم الجنائي- حتى الوقت الحالي - سوى معيار الشخص المعتاد.


نصوص القانون الجنائي يجب أن تكون واضحة ومحددة:


كما أن المشرع الجنائي مطالب أثناء التجريم والعقاب بأن يصدر قواعد قانونية جنائية واضحة clear في مضمونها محددة specific في أحكامها، لا تثير أي لبس أو غموض لدى المخاطبين بأحكامها، ولا يثور الخلاف بشأن تطبيقها، ولا تدفع القاضي الجنائي إلى طريق القياس (لأن القياس محظور تماماً أثناء إعمال نصوص التجريم والعقاب كقاعدة عامة).


كما أن وضوح نصوص التجريم الجنائي يزيد من القيمة الإقناعية للقاعدة القانونية الجنائية لدى الجمهور، ويكفل لتلك القاعدة الإقناع والمنطقية والعلم اليقيني بمضمونها لدى الأفراد.


شاهد أيضاً:


التجريم الجنائي: كيفية إنشاء الجريمة الجنائية وتحديد عقوبتها.


طبيعة العلاقة بين الدستور والقانون الجنائي.



واحة القانون

law oasis